«كي نعلو فوق الحب، وفوق الكراهية، ونخترق تلك السماء الحديدية التي أصبحت تسيطر على عقولنا، ولكي نعلو فوق الخوف، إلى الحرية» باولو نوتيني، السماء الحديدية.

 

نسأل أنفسنا هذه الأسئلة بشكل منتظم… اعتقالات ومطاردات واختفاءات وجثث ملقاة على الطرقات، لماذا تكره الدولة الصحفيين والباحثين والعلماء والمدونين؟

الحقيقة أن في هذا العصر الجديد الذي يسمى بالسماء المفتوحة، أصبحت المعلومة وحرية تداولها هي الخطر الأكبر والعبء الأعظم على أي نظام قمعي يحاول أن يسيطر على مواطنيه. ولأن طموح النظام المصري يتغير كل يوم من حيث درجة الدكتاتورية، فإننا يجب علينا كباحثين أن نلجأ إلى نموذج نظري ما يعطينا القدرة على تحليل تصرفات هذا النظام. علينا أن ندرك أن النظام يتحول من نظام يتلاعب بالمعلومة إلى نظام يطمح للسيطرة الكاملة عليها واستبدال سماء حديدية بالسماء المفتوحة، أو سمائنا المواربة حاليًا. وحتى يعطى كل ذي حق حقه، هذا المقال مستمد من كتابات البروفيسور كارل دويتش 1912 – 1992  أحد آباء نظريات الأنظمة السياسية والاتصال والسيطرة السياسية في العلوم السياسية.

 

أولًا، ماذا نفهم من أن هذا النظام عسكري أمني بالدرجة الأولى؟

نفهم بطبيعة الحال أن العسكريين مدربون بشكل حصري على التعامل مع الحروب ونظرياتها وأفكارها، ولذلك، فإن الأنظمة القمعية التي تديرها المؤسسات العسكرية، أو المؤسسات ذات الخلفية العسكرية، تدير الدول وفقًا لتدريباتها وذلك لأن أي محترف أو شبه محترف يستدعي تدريباته وتعليمه وخبراته عند المواقف التي تحتاج إلى تصرف وحكم. ربما تبدو كأنها معلومة بديهية ولكنها مفتاح هذا المقال.

ولأنها غير مؤهلة للتعامل مع ظروف مدنية طبيعية وغير مدربة عليها، فبالتالي الأسهل لهذه الأنظمة تغيير شكل الحياة السياسية لتناسبها وتضع معارضيها في إطار خانق، مثلما فعلت وتفعل أنظمتنا السياسية منذ عقود. نحن في حالة حرب دائمة، مع الخارج قليلًا، وفي الداخل كثيرًا. والحروب، بالطبع، تعتمد بشكل أساسي على المعلومات. هذا ليس كلامي، بل كلام أبي العلوم العسكرية الحديثة، الجنرال الفيلسوف (فيلسوف بجد) كارل فون كلاوسفيتز، المنظر الحربي المعروف، والذي تدرس الكليات العسكرية حول العالم نظرياته.

والعقلية العسكرية تدرك أن من يتحكم في المعلومات هو من يسيطر على الأرض، ولأنها عقلية دفاع وهجوم لتحقيق الأهداف فقط، فهي عقلية بلا أيديولوجيا حقيقية، أو حلم تسعى لتحقيقه، ولذلك فقمة أهدافها هو الصمود وإرغام الخصم على الرضوخ. فكما يروج الإعلام لنا، نحن في معركة مع كل شيء وفي كل وقت. بل نحن ضد أي شيء يقف أمام مصلحة هذا النظام في البقاء كما هو حتى ولو كان على حساب الحقيقة، التقدم، التطور، المعرفة، الشعب.

«فن قيادة الجموع يكمن في القدرة على جعل كل هدف مرحلي يبدو وكأنه هو الهدف الأعظم والأهم، وإقناع القيادات والأتباع بأن كل شيء يعتمد على قدرتها على تحقيق هذا الهدف المعين في وقته بدون أي تأخير، وبغض النظر عن أي شيء آخر» — أدولف هتلر، مستشار ألمانيا النازية.

 

وكل جولة من معارك النظام، الوهمية لخصومه، الحقيقية جدًا لأتباعه، هي المعركة الأساسية في ذاتها. لذلك، على سبيل المثال، نجد أن الكثير من أتباعه موقنون أن في حالة تخلص النظام من أهدافه الأولى، مثل التخلص من الإسلاميين، ثم التخلص من المعارضين غير الإسلاميين، ثم استباحة سياسات اقتصادية تضر بالأغلبية وتفيد الأقلية المحسوبة على النظام؛ فإن النظام بالفعل سيحقق وعده ويجعل حياتهم هناءً رخاءً لا يضارون بعده أبدًا.

 

ثانيًا، هذا النظام المصري ذكي وكُفُؤ ومتقن لهدفه… هذا سبب صموده، هذا سبب علته.

يقول كارل دويتش أن كل الأنظمة أو الحكومات هي في ذاتها أنظمة تواصل، بمعنى أنها تدير أكبر شبكة معلومات في أي وطن. الشعب يصدر معلومات عن نفسه، عن طباعه، عن أحلامه، عن احتياجاته، والأنظمة أو الحكومات تستقبل هذه المعلومات وتديرها حسب أهدافها. ولأن أهداف الأنظمة والحكومات متعددة فنجد في المدرسة الدويتشية أن الأنظمة السياسية أنواع.

النوع الأول، هو النظام المطور لذاته، وتلك الأنظمة تسعى دائمًا لتحسين كفاءة أدائها السياسي حتى لا ينهار النظام، وبالتالي، عليها أن تكون عند تطلعات مواطنيها، قادرة، وهذا هو أهم جزء في النظام السياسي، على أن تستوعب طلبات الجموع والمعلومات القادمة منهم، ثم تمررها سريعًا وبكفاءة على ماكينة صنع السياسات والإدارة كي تخرج للناس مجددًا في صورة سياسات ترقى إلى تطلعاتهم أو تطلعات أغلبهم.

أما النظام الثاني فهو النظام المدمر لذاته، وهو النظام الذي لا يسع أي شيء. هذا النظام الذي يأخذ البلاد إلى حافة الهوية حتى تصبح مثل ليبيا وسوريا. فهو لا يستمع إلى الشعب ولا يستطيع أن يجاري حركة المعلومات التي يصدرها الشعب حتى يبدأ النظام في تدمير نفسه بنفسه. النظام الثالث هو النظام غير القادر على الحياة، أو ولد ميتًا كما يطلق البعض، وهو النظام الذي لا يستطيع أن يستوعب الكم الهائل من المعلومات التي تصدرها جموع الشعب عن طريق الطلبات، الطموحات، الضغط، أو غيره فيموت من الإرهاق.

أما النظام الرابع، والذي أظنه النظام المصري، فهو النظام القادر على الحياة. هذا النظام هدفه الوحيد هو أن يبقى حيًا. وبالتالي هو مرن وذكي من حيث التغير في الشكل واللغة والمضمون، الكر، الفر، وغيره حتى يبقي على زمام الأمور. لعل هذا يرد أيضًا على بعض الأسئلة المشروعة من بعض الباحثين السياسيين حول ما إذا كانت ٢٥ يناير ثورة أو ٣٠ يوليو موجة ثورية أو ٣ يوليو انقلابًا. من هذا المنطلق، النظام المصري لم يتغير من ٢٤ يناير ٢٠١١ وحتى اللحظة التي أكتب فيها هذا المقال.

النظام، والذي يتبع النظريات العسكرية والمشتق منها في إدارة البلاد، لا يسعى إلا للبقاء. هذا كل أمله وأقصى أحلامه وإذا قصرنا نظرنا على هذا الهدف، فلا يسعنا سوى أن نشيد بذكاء هذا النظام وإتقانه. وهذا الإتقان الفريد هو سبب علته لأن كل طاقة النظام في الإبقاء عليه من استخدام المحايلة، لاستخدام العنف، للعودة مجددًا لاستخدام المحايلة.

 

ثالثًا، المواطن الزومبي كمصطلح حقيقي في المدرسة الدويتشية في تحليل الأنظمة السياسية

البعض يظن أن مصطلح المواطن الزومبي هو مصطلح عبثي أو ابتكر من باب السخرية النقدية عن المواطنين الذين يسيرون بدون عقل وراء النظام رغم كل هفواته وجرائمه.  يقول دويتش أن هناك ثلاثة أنواع من المعلومات التي تحتاجها الشعوب كي تحظى بنظام سياسي يجعلها تحكم نفسها بشكل ديمقراطي.

 أولًا، معلومات حقيقية عن العالم خارج إطار الدولة أو المجتمع.

ثانيًا، معلومات حقيقية عن الماضي أو التاريخ الخاص بتلك الدولة أو المجتمع.

ثالثًا، معلومات حقيقية عن المجتمع نفسه وأفراده في إطار معرفة الذات.

يؤكد دويتش أنه إذا تم التلاعب أو حجب أي من هذه المعلومات، ينتج النظام عن عمد مواطنين أسماهم بالـWalking Corpses أو الجثث الماشية أي «الزومبيز». لذلك أزمة الكثير من النشطاء والمنحازين للحرية والديمقراطية هي العداء مع هؤلاء بدون معرفة الداء الحقيقي لمشكلة هؤلاء وهم أنهم نتاج تدهور متعمد في المعلومات الأساسية التي يحتاجها أي مواطن عاقل حر. ولذلك أن يظن هؤلاء أنهم يستطيعون الانتصار على هذا النظام أو استكانته، في وطن أغلبه مصاب بهذا الداء؛ هو حتمًا ضرب من الجنون.

ولهذا فإن عدو النظام الحقيقي هو أي شخص، مجموعة، أو مؤسسة تحاول أن توصل المعلومات الحقيقية الخاصة بأنواع المعلومات المهمة الثلاثة السابقة. هؤلاء هم أعداء النظام وأعداء الوطن في نظر البعض، والحقيقة أنهم هؤلاء هم حراس الأمن القومي الحقيقيون الذين يقفون على جبهة حروب المعلومات. هم الحاجز الحقيقي بيننا وبين اكتمال السماء الحديدية. هم الجنود الذين يقفون أمام تحولنا إلى كوريا شمالية أخرى.

 

رابعًا، الأسرة هي خط الدفاع الأول لأي نظام قمعي محترف

تسعى السلطات الديكتاتورية، صاحبة الشعبية الحقيقية أو المزيفة؛ دائمًا إلى خلق حالة من الجمود الفكري والسيطرة على الإبداع والمعلومة. يقلقها الإنسان الحُر، والوطني الحقيقي بالنسبة لها خائن، والمبصر كافر في بلد العميان. ولذلك فإنّ أنجح الديكتاتوريات هي التي ترسي القواعد للمجتمع حيث تكون أولى أنواع السيطرة الفكرية والإقصاء والرقابة في المحيط الأول للإنسان: الأسرة. والأسر في مصر أصبحت هي خط الدفاع الأول لمروجي مشاريع الوهم والخيال. فإذا وصلت معارك الفرد إلى حالة يومية أو شبه يومية مع أقرب الناس إليه، كتبت عليه الهزيمة، أو وجبت عليه العزلة، سواء النفسية أو الجسدية. فإذا كان به شيء من الهمة، دخل إلى العالم الافتراضي.

ربما يبدأ القارئ هنا في التعجب! هل كل هذا فعلًا نظرية في العلوم السياسية؟ هل هذا النظام بالفعل يتبع نظرية؟ أم أن دويتش هذا ومن بعده الكاتب قد شاهدوا حالنا ثم كتبوا كل هذا الهراء؟ الحقيقة أن دويتش كتب كل هذا في منتصف القرن الماضي. والحقيقة أيضًا أن نظرياته هي ترجمة لنظريات سبقته والتي أيضًا تطورت من نظريات سبقتها، منها نظريات الفيلسوف العسكري كلاوسفيتس المذكور بالأعلى.

ما لم يره دويتش هو قدرة النظام على التطور مع الزمن  في العصر الحديث في كيفية الحفاظ على بقائه عبر الدخول في مواجهة مباشرة مع النشطاء ومؤيدي الديمقراطية على أرضيتهم وخط دفاعهم الأول، الإنترنت أو ما يسمى بالعالم الافتراضي والذي أصبح أكثر واقعية من العالم الحقيقي، دون أن يلجأ لأدوات المنع مثل الصين أو كوريا الشمالية أو حتى تركيا في بعض الأوقات.

النظام أدرك أن الإنترنت هو خط دفاع الأحرار الأخير وبداية الشرارة. ولأن النظام يفكر بطريقة كسب الأرض، فإنه يسعى ليسيطر على هذه الرقعة الأخيرة من خلال التشريعات والترهيب والترغيب، بل واستخدام الأسر والأجيال السابقة والزومبيز كخط دفاع أول دوره أن يكون أداة رقابية تكبت كل سبل الحرية والإبداع والتعبير عن الرأي.

إن أول سبل التحرر هي عدم التعالي على الخصم وإدراك مفاتيح لعبه. معركة الديمقراطية هي معركة تحرر المعلومة والإدراك. وهذا ما أنوي أن أكتب عنه في تجربتي هذه مع ساسة بوست.

الأغنية التي ألهمت عنوان هذا المقال والتي تحمل نفس الاسم، «السماء الحديدية» هي أغنية لمطرب إسكتلندي اسمه باولو نوتيني. وفي تلك الأغنية يوجد مقطع صوتي مشهور لتشارلي تشابلن من فيلم «الدكتاتور العظيم» إنتاج 1941 يقول:

«لأولئك الذين يمكنهم سماعي، أنا أقول لكم، لا تيأسوا. البؤس الذي نعيشه الآن إنما هو حالة من الجشع تمر علينا، مرارة من الرجال الذين يخشون تقدم البشرية. هذه الكراهية سوف تمر، والطغاة سوف يرحلون. والسلطة التي أُخِذت من الشعب، ستعود إلى الشعب. الحرية لن تموت أبدًا. فلا تعطوا أنفسكم لهؤلاء الرجال هؤلاء الرجال المميكنة، بعقول وقلوب مصنوعة من الآلات! لستم آلات، لستم ماشية، أنتم بشر! أنتم، أيها الناس، لديكم القوة على جعل هذه الحياة حرة وجميلة.. جعل هذه الحياة مغامرة رائعة».

كارثة أي نظام استبدادي هي العقول المنيرة، من باحثين وعلماء وإعلاميين وصحافيين ومدونين ومبدعين وفنانين وكتاب، مثل المئات من العقول المحتجزة أو المنفية والتي تم صبغها بصبغة الخيانة. تلك العقول التي تحلق بعيدًا عن كآبة الأرض كي تثقب لنا تلك السماء الحديدية كي نحصل على المعلومة الحقيقة التي تنور بصيرتنا، ونستمد من نورها الحرية، بدون أن ننحاز لغيرها من أجل انتماء مبني على الحب، أو معارضة مبنية على الكره، أو انصياع مبني على الخوف… فقط معلومة حقيقية من أجل الحرية.

دمتم أحرارًا.

إهداء إلى إسماعيل الإسكندراني

تمت

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد