سيف راجح سراج
سيف راجح سراج

حين ننظر إلى الأمر من منظار منطقي. ومن زاوية عقلانية منفتحة، سنجد أن كل الأسباب التي ترد لتبرير تدخل دولة ما في شؤون دولة أخرى، أو توسع قوة أو جماعة أو حزب ما على حساب قوة أو جماعة أو حزب آخر بطريقة أو بأخرى، لا تعدوا في كونها، سوى تصور واقعي لمسمار جحا الناشب في عقول صناع القرار السياسي في العالم، فالأسباب التي أوردتها أمريكا وحلفاؤها حين اكتسحت العراق وأوصلته إلى هذه الحالة الفظيعة لا تختلف في شيء عن تدخلها مرة أخرى بحجة القضاء على تنظيم داعش الذي يشك الكثيرين في أصله ومنشئه، وهذه الأخيرة لا تختلف أيضًا عن المبررات التي اختلقتها أبواق السيسي الإعلامية لتبرير خيانته العظمى بحق رئيس كان هو الرابح في انتخابات شهد العالم أجمعه بنزاهتها. كما لا تختلف مبررات الأخير عن مبررات الحوثيين هنا في اليمن التي اختلقوها لاكتساح المدينة تلو الأخرى حتى وصلوا أخيرًا إلى أعتاب القصر الرئاسي، مخلفين وراءهم الكثير من الجثث، في قصة اختلطت فيها الشجاعة بالخيانة، والتآمر بالثبات، والتخبط بالشهامة واللؤم، باختصار هي قصة تختزل معاني الشر والخير في آن واحد.

إنها مبررات وأعذار وإن اختلفت مضمونًا، إلا انها بالأسلوب ذاته، أقصد ذلك الأسلوب الذي يدغدغ عواطف الناس السذج، ويقنعهم بطريقة مذهلة تجعلهم أول من يحمل السلاح ليشارك هؤلاء غزوهم. وإن لم يستطع أن يحمل السلاح فلسانه الحاد كفيل بذلك، وهذه المبررات قديمة بقدم التاريخ غير أنها أصبحت تدرس دراسة عميقة ويدرس تأثيرها مسبقًا ولا يتم الإفصاح عنها إلا وقد عرف مدى تأثيرها، وكم نسبة من سيقتنعون بها، وما هي الخطوات التي تعززها في الواقع، وكم من الوقت ستستغرق حتى يقتنع بها الجميع، ويصبحوا من أشرس المدافعين عنها. إنها مبررات تعتمد على استراتيجية معقدة، تعتمد بشكل كبير على إخفاء الأهداف الحقيقية إخفاء شبه تام حتى عن الجنود المقاتلين ذاتهم، لأن الأهداف الحقيقية بكل بساطة سينفر منها الجميع، ولذا لا ضير من إقناعهم بما هو مخالف تمام لهذه الأهداف المكنونة.

فحجية حقوق الإنسان وتقمص دور المخلص للمواطنين العراقيين من الديكتاتورية الصدامية (أقنعوا الجميع أنها ديكتاتورية بالرغم من أن لدي تحفظًا على ذلك) كانت مجرد غلاف زاه لأهداف أخرى أكثر من أن تلم بها سطور قليلة، وإن كان أهمها القضاء على قوة عسكرية كانت تمثل تهديد حقيقي للطفلة المدللة لأمريكا (أي إسرائيل) وكذا الحاضنات الوفية لهاته الطفلة المتوحشة (حلفاء أمريكا في المنطقة).

أما السيسي عبد الفتاح أيضًا، فقد ظهر بمسوح الرهبان في يوم خيانته العظمى يقسم بأيمانه المغلظة أن ما فعله لم يكن إلا من أجل مصر، ولا شيء غير مصر، وأنه لا يطمح في السلطة مطلقًا، ولكي يثبت ذلك أقسم أنه لن يرشح نفسه للرئاسة أبدًا، وها هو الآن وببركة دعاء أمه أصبح رئيسًا لمصر. ليشهد يوم الاحتفال بتوليته عرش مصر عدة حالات اغتصاب علنية، وفي الميدان الذي غض بالآلاف من الشباب ذوي القصات الغريبة والتصفيفات المقرفة، ربما أتت هاته الحالات كاستجابة للإثارة التي خلقتها تلك الخصور التي تراقصت على أنغام (بشرة خير) في أبواب اللجان الانتخابية على مدى أيام الانتخابات، وإلا لماذا وجد قانون نيوتن القائل بأن لكل فعل رد فعل.

ربما يكون تشبيه كهذا ظالمًا بكل المقاييس برأيكم، وإلا فما شأن دولة متغطرسة رأت أن تفرض قرارها ورأيها على دولة أخرى ذات سيادة مستقلة بجماعة أو جهة من الشعب ذاته رأت أن تدخلها هو الأصلح للحفاظ على الوطن من بقاء الأمور كما هي. إذا سيكون موقفهم هنا إيجابيًا، أليس هذا ما يعتقده أغلبكم. سأوضح الأمر بترو.

فإذا كانت الأمور في وضع مؤلم، وبقاؤها كما هي يؤدي إلى الذهاب نحو الهاوية أو الدمار التام، والتلاشي المستمر والوصول إلى وضع مأساوي بكل المقاييس كما أن التدخل هذا لن يكلف كثيرًا، ويحقق نتائج إيجابية تفوق تلك السلبيات التي تترتب على هذا التدخل، فهذا ما يمكننا تسميته بالتدخل الوطني للإنقاذ، وهنا يمكننا تسميتها ثورة وأبرز مثال على هذا تدخل حركة التصحيح التي قادها الرئيس الراحل إبراهيم الحمدي للحفاظ على الدولة من النفوذ الكبير للقوى القبلية والدينية التي كانت ستؤدي حتمًا إلى مزيد من التفكك والدمار إلى ما لا نهاية، وهنا ستكون كارثة.

 ويمكننا أن نسمي تدخلًا كهذا ثورة إنقاذ، أما إذا كان الوضع مستقرًا، والحكومة تمتلك الشرعية الشعبية، ولم تنل من الزمن ما يكفيها لأنها تستطيع الإنجاز أو البناء فتدخل مهما يكون نوعه، وأيًا كان مصدره هو الخطوة الأولى لفتح بوابة الجحيم التي ستأكل البلاد عن آخرها، وإلا فلماذا أصبح الوضع في العراق بهذا السوء، وأكثر سوء منه الوضع في سوريا وفي الطريق إليهما ليبيا بتدخل قوات الجنرال المتعاقد خليفة حفتر المدعومة من أعداء الربيع العربي، واليمن بتدخل مليشيات الحوثي والقوات الموالية لصالح المدعومة إيرانيًا، واستفاد هذا التدخل الذي اتخذ مبررات تافهة من التواطؤ الدولي والصمت السعودي الخليجي في عهد الملك الراحل عبد الله آل سعود، ليتمكن هذا التدخل من شل النظام السياسي وإحلال الفوضى التامة في كل مؤسسات الدولة، وإذلال الرئيس الشرعي للدولة، وإجباره على تقديم استقالته.

واستطاع هذا التدخل تكوين آلة قمعية أثارت الرعب في قلوب المواطنين وكممت أفواه المعارضين السياسيين، وأغلقت المؤسسات الإعلامية المعارضة، واعتقلت الناشطين السياسيين، وتصدت بعنف غير مسبوق للمظاهرات والمسيرات الطلابية المعارضة ،واقتحمت كل أو جل المحافظات اليمنية مخلفة دمارًا هائلًا في البنية، وخسائر في الأرواح والممتلكات، وجمودًا اقتصاديًا فظيعًا. وكذلك الأمر بالنسبة لمصر، إن كل ما جرى في هذه البلدان هو حصيلة تدخل خارجي أو داخلي جاء قبل موعده، بل لم تكن له أية حاجة أصلًا.

وهنا مربط الفرس، فلو سلمنا مقاليد الحكم لعواطفنا المتخمة بالتعصب السياسي لوجدنا إجابتين: الأولى تقول إن عاصفة الحزم وما تلاها ليس تدخلًا سافرًا، إنما هي مهمة إنقاذ قامت بها دولة شقيقة استجابة لطلب من الحكومة اليمنية المنفية والرئيس المنفي، والاجابة التالية تقول: إن عاصفة الحزم وما تلاها من أحداث ليس مجرد تدخل سافر فحسب، بل هي عدوان وحشي على الشعب اليمني بكافة مكوناته، وخائن من يبرر هذه العمل العدواني، وكما أن أصحاب الرأي الأخير محقون في زعمهم، فأصحاب الرأي الأول ليسوا مخطئين أيضًا، لأن العملية التي يسميها أصحاب الطرف الثاني عدوانًا، كانت بمثابة طوق نجاة لأصحاب الرأي الأول الذين خسروا في الحرب وتعرضوا للاضطهاد السياسي الممنهج من قبل أصحاب الرأي الثاني في مرحلة ما قبل العاصفة أو العدوان، ولذا فهم معذورون، ولا يجب أن يطلق عليهم مسمى الخونة؛ لأنهم فقط تشبثوا بالعوامة التي رميت لهم في الوقت الذي كانوا يلفظون فيه أنفاسهم الأخيرة، لكن سيقول الكثير منكم: المسالة ليست بسيطة إلى الحد الذي نجعلها تخضع لقانون التوازن، فالمسألة تعني موت تعني طائرات تحلق طوال كل يوم فوق رؤوس الجميع تعني عتاد عسكري ومؤسسات حكومية تفنى وتدمر.

هنا يمكنني أن اقول لك أن من خطط لهذة اللعبة أتقن جيدًا استخدام الطرفين (أصحاب الرائيين المذكورين أعلاه) بحيث جعل بقاء أحدهما يعني (game over) للآخر، فالثاني بنظر الأول (ظالم ومجرم)، والأول بنظر الثاني (خائن وعميل)، وهذا التصنيف ينطبق على أبناء الشعب كاملًا، الذين انقسموا إزاء هدة العملية إلى نصفين، نصف يؤيد الرأي الأول ونصف يرى الرأي الثاني، فالشعب أصبح حسب قول أحدهم ما بين (مجرم وخائن)، ولكن تذكروا أن بقاء البيدقين في وضع توازن يعني استمرارية اللعبة أو بالمعنى الحقيقي يعني طول مدة الحرب وتوسعها، لكن هذا لا يعني أن الحل يكمن في أن يقضي أحدهم على الآخر، بالرغم من أن هذا ما يفكر به الجميع وخاصة المتهورين من الطرفين، فحل كهذا لو أخضعناه لمقياس منطقي لوجدنا أن احتمالية القضاء على 50 % من الشعب على يد الـ 50% الأخرى من الشعب ذاته يعني الفناء المحتوم للطرفين كليهما، إنها معادلة صفرية بسيطة يا قوم، إنها (50- 50 =صفر ) أجل (صفر) أو قل فناءً دمارًا وموتًا محتمًا للجميع، والحل يكمن في المعادلة ذاتها، لكن بعد تعديل بسيط لتصبح (50+50 =100 ) (100 ) الشعب بمختلف فئاته يخرج سالًمً. هذا باعتبار السالب رمزًا للعداء ورمزًا للحرب، والموجب رمزًا للحوار والتسامح.

أما الموجب (+) أو خيار (شمشون )*!

والحوار الذي أتحدث عنه سيغير موازين المعادلة بحيث إنه لن ينهي الحرب الأهلية فحسب، بل سيجبر قوات التحالف على إيقاف التدخل؛ لأنها لن تجد ذريعة لاستمرار ذلك، فهي تدخلت بحسب ما أعلن قادتها لإيقاف التمدد الحوثي المليشاوي وإجبار الحوثيين للجلوس على طاولة الحوار، وبرأيي أن جلوس هؤلاء الاخيرين للحوار مع إخوانهم اليمنيين الذين حولوهم إلى أعداء افضل لهم كجماعة تسعى للبقاء والاستمرارية ولليمنيين كشعب أعزل ليس له في الحرب ناقة ولا جمل يبحث عن السلم والأمن كي يعيش. كما أنهم بقبولهم للحوار ودخولهم فيه بنية صادقة وهدف نبيل قد سددوا للعدو ضربة في مقتل ستجعله يترنح عاجزًا عن القتال، أما استمرارهم في الحرب فيعني (اختيارهم لخيار شمشون) ليهدموا السقف على أنفسهم وعلى الشعب بأكمله.

* رجل هدم السقف عليه وعلى أعدائه وكتب بذلك نهايته ونهايتهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك