يا نفس لا تهلكي يأسا ولا تدعي.... لوك الشكائم حتى يقضي العمر الشريف الرضي

في سنّة كونية نستقرئها للذكرى، يستوفي شهر نوفمبر (تشرين الثاني) أيامه، فتلفظ السنة المدبرة لحظاتها كي تنبلج أخرى، نُحمّلها مجددًا سنابل أمانينا الكبرى، كل أمنية تُنبت سبع أماني في كل سنبلة 100 أمنية أو أكثر، مَثل ضربه رب الشعرى ليكون للعالمين نُذُرا وبُشرى. ثم نستأنف العام مُزوّدين بمؤونة الأمنيات ما يكفينا مسيرة 12 شهرًا.

         غير أن سنة 2018 قررت أن تكون غير عادية بشتى المقاييس، كأنما خشيت علينا شطط تلك الأماني وسحرها الأنيس، إذ كانت حبلى بطوائح الأحداث التي أربكت الفكر والأحاسيس، وكشفت عن وجه سياسي بئيس، غيّر مجرى قضايا عربية وعالمية بمنحى شرس، وابتزّ آمالا نرشف من كاستها كلما استوى الجور على سوقه يعجب الظلام نباته الخسيس.

لست أجرؤ في كتابي أن أقفو ما ليس لي به علم، فما أنا بسياسية تحسن فقه الميدان، ولا أملك منه حتى الزاد الزهيد، بيد أني أثناء تجوالي بأروقة الويب ومطالعة ما دوّن عن حصيلة 2018 ألحت عليّ خاطرة لامست أوتار الوجع، واستمدت من أدواء الواقع، قلت أبوح بها استشفاء لصدري مما ضجّ به من نوازع، كإنسانة ترقب الساحة العربية بأمل، وتتشوف للأمن والاستقرار، بدلًا عن حال التنافر والتناحر الذي اكتوى بناره القاصي والداني.

وإن كنت صراحة أزمعت من مدة أن أزهد عن تتبع الأحداث الدائرة، سوى ما تطاير عليّ من هنا وهناك، واستلزم بعده الإنساني الوقوف عنده، لكن الحق والحق أقول أن ما يجري يجعل العقل حائرًا مذهولًا؛ بأي حق هذي حشود النازحين تواجه المصير المجهول؟ وبأي حق تلاقي الكلمة حتفها بسيف الجرم المسلول؟ كيف يبلغ الإنسان مبلغ السّبُع الجهول؟ فيطغى ويتجبر دون ضمير سئول؟ ولم يبقى احتقان الشعوب هكذا دون حلول؟

قبل سنوات أخبرونا عن ربيع سيطفئ جمرًا لونه القاني.. بيد أننا لم نر سوى العدوان، وخراب الأوطان.. قلنا إن المنحة تخرج من رحم المحن، ولا بد من دفع ثمن في سبيل كرامة الإنسان.. لكن!

بالـدّْم بْكيت زْمـاني

النّاس فْكُل مْكان تْـقاسي وتْـعاني

بْـالجوع والقهر وحِرْماني

حْتّى مْنْ كْلْمْة حْقّ عَلاني

نتانياهو قال السّلْمْ غير كْلْمَة فْـ لْساني

قْتّْل وْلادي فْحْضاني

كوبوي بْالْإرهاب سْماني

شْمّْر واهْجْم هْدّم بْنْياني

سْكّنٍّي لْخيام، هْجّرني أَرْضي ومْكاني

بالدم بكيت زماني

فلسطين، ولبنان

مصر والسودان

كُـلّها تْشكو وْتْعاني

العراق، تونس، سوريا واليمن

ويعلم الله شكون يتبعها تاني

قالونّا رْبيع عربي يْطفي لْجْمار

لونها قاني

ما شْفنا فيه غير الدمار

والموت وبنادم أناني

النّْفوس رْخاصت

أطفال تغصبات وجاعت

لوطان تْباعت

الضماير ماتت

خْرص لْساني بين سْناني

حْترنا فْ طْريق الصّدق

ما عْرفْنا شْكون لي كَيْتْشدّق

وشْكون لّي معاه الحق

الظالم تْسمّى مْظْلوم

وْمُولْ الدَّار صْبح مْحْروم

قْلْبو شَاخ يْبْكي مْكْلوم

حالي وحالك فْـناني

قلنا مْنْحَة تْخْرج من رَحٍمْ لْمْحاني

ولابد نْدفعو ثمن ف سبيل كرامة لانساني

طَالْتْ لْحْبالا ولْفْرح نْسَـانا

إيـلا سْمحنا حنا،

كٍيف تْسمح دْمْوع لْعين يالِّـي بْـكّانـا..؟

حْصٍيلْتْنا مْنْ لْهْموم تْقيـلة

وْحْلامْنا بْقات هْزيـلة

نْفوسْنَا غْرْقَاتْ فْالضٍّـيم وْلاّتْ ذْلٍـيلَة

كٍيفْ ننسى سنين لْحْزان

فْ يُوم وْلـيلة

وْقْلوبْنا بْمناظير لجثث وْلاَّتْ عْليلة

بْكِيني يا لـيّام

وبْكي حْقوق لْإنْسان

وبْكي زْمان الذّْلّْ

اللّْيالي فيهْ طْويلة

لكن مهما يكن حصاد السنوات العجاف ثقيلًا، ومهما يكن شأن الزّيغ العارض جليلًا، فإن الكائن العربي لم يعد يخشى عوادي الردى، وآماله عصية تأبى الاستسلام، وإن بلغ الألم المدى.

وقبل أن أغلق نافذة المقال أود الاختتام بكلمة مقتضبة عن مغرب 2018 الذي كان حافلًا بقضايا وترت الوضع العام، وهيجت الشارع، لم تتفاعل معها الحكومة كما يجب؛ مما عرقل عجلة الإصلاح، سواء اجتماعيًا، واقتصاديًا، أو سياسيًا.. كما جردتها القناة الفضائية المغاربية وقنوات إخبارية أخرى بالتفصيل.

فمنذ مستهل السنة المنصرمة عرفت المملكة ازدياد تأزم الأوضاع المعيشية، وضعف القدرة الشرائية جراء اشتعال أسعار المواد الأساسية؛ بما فيها تسعيرة المحروقات متأثرة بتقلبات أحوال الذهب الأسود في الأسواق الدولية، فحاول أرباب محطات الوقود استغلال الوضع للتلاعب بالأسعار وفق أهوائهم، غير مكترثين لجيوب المواطنين المستنزفة قبل بغلاء المعيشة. ولما بلغ السيل الزبى، ولم يعد في قوس الصبر نزع، طفق الشعب المغربي يفكر في وسائل احتجاجية بديلة للإعراب عن غضبه ورفضه حتى لا يصيبه مثل ما أصاب أشقاءه الأفذاذ، الذين ساحوا في البلاد بلا جريرة ولا مأوى يلاذ، فابتكر مقاطعة وطنية غير مسبوقة، كأسلوب حضاري بعيد المرامي، أردع ثلاثة من كبريات الشركات، وكبدها خسائر فادحات، كانت له تداعيات سياسية كادت أن تؤدي لاستقالة وزير الشؤون العامة والحكامة السيد لحسن الداودي، كما وضع حدًا ولو نسبيًا لشراهة اللوبيات في استنزاف جيوب المواطن المغربي البسيط، مثبتا قدرته في التأثير وضبط السوق الغذائية في المملكة.

ورغم قلة الموارد المالية، وعجز الميزانية فقد قامت الدولة في ذات السنة ببعض الأوراش الإصلاحية بقيادة ملك البلاد حفظه الله من قبيل ورش الإصلاح الإداري الذي تمت انطلاقته بتاريخ 20 أبريل (نيسان) 2018، يروم تحسين جودة الأداء الإداري لخدمة المواطن المغربي، وإعادة هيكلة الوظيفة العمومية في إطار تقوية صرح اللامركزية، إضافة إلى إطلاق القمر الصناعي الثاني، والقطار الفائق السرعة البراق. مشاريع استبشرنا بها خيرًا أملًا في الوصول لما هو خير منها، وإن بخستها العيون الدارسة بالمقارنة مع متطلبات الوضع الآني الذي يستدعي إعطاء أولوية للنهوض بالجانب؛ الصحي، الاجتماعي، والتعليم.. مع خلق فرص أوفر للشغل بغية التخفيف من مشكل البطالة الشائك لكونه يشكل تحديًا ضخمًا تتنامى صعوبته يومًا بعد يوم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد