بما أن الله قدر مقادير الخلائق قبل خلق السماوات والأرض وهو أعلم من أهل الجنة من أهل النار والشقي من السعيد.

إذًا ما هو ذنبنا لكي نعاقب على شيء قدر وفرض علينا قبل أن نولد؟

لطالما أثار هذا التساؤل والكثير من على شاكلته جدلًا كبيرًا بيننا نحن البشر، فأظن أنه ما من أحد منا إلا وساءلته نفسه به، وغالبًا ما يستشكل الأمر على الناس فيظنون بالله الظنون، ويتصورون الظلم في أفعال الله تعالى؛ لكن هل لك عزيزي القارئ أن تقف هنيهة نفكك الإشكال وننظر فيه؟ فهذا الإشكال واسع الجوانب، كتب فيه العلماء كتابات شتى، لذا سنحاول أن نفرز أجوبة شافية لكل من أشكلت عليه المفاهيم مع تبسيط لطريقة العرض حتى تعم الفائدة جميع القراء بدون استثناء.

أولًا عزيزي القارئ يجب أن تعلم أن الله قدر منذ الأزل ما كان وما سيكون، وهذا من صفات الله تعالى العلم المطلق والشامل؛ فعلمه محيط بكل شيء، فكل ما يجري في هذا الكون مهما صغر أو عظم هو بقضاء الله وقدره وسبق علمه به في سابق أزله، فكل الأفعال والتصرفات التي تصدر من الإنسان وكل ما يحصل من خير أو شر فهو مقدر ومكتوب قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة؛ وهذا لعلم الله تعالى بسائر تصرفات الإنسان الاختيارية والقسرية قبل فعلها، وليس كما يقول بعض السطحيين أن الحياة التي نعيشها جبر ولا اختيار فيها، وأن الله تعالى هو من كتب علينا وأجبرنا على القيام بأمور يعاقب عليها. لكن هذا الكلام غير صحيح، وأستشهد بقول الله تعالى في كتابه الكريم:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ}. وأن كل ما في الأمر أن ربنا يعلم ما سنفعله ولم يأمرنا بالفحشاء. وأضرب مثلًا بقول الأب عن أحد أبنائه «ابني الفلاني سيسقط في مادة الرياضيات». يقول الأب ذلك بخبرته، وعندما يرسب الابن بالفعل. نجد من يتهم الأب بأنه هو الذي تسبب في رسوب الابن؟! لكن السؤال المطروح:«هل أنت أمرته بالسقوط؟! أم أن كل ما في الأمر أنك فطنت إلى أنه سيرسب من خلال ملاحظتك له ورؤيتك عدم اهتمامه بمذاكرة ومراجعة هذه المادة؛ فكذلك – ولله المثل الأعلى – الله سبحانه وتعالى يعلم، ولا جبر ولا قهر ولا أمر. والكتاب المسطور، والكتاب المكتوب، وأم الكتاب، كل هذا معناه علم ربنا الشامل بما كان وبما سيكون، وعلم بما سيؤدي إليه اختيارنا، قال أبو سليمان الخطابي «وقد يحسب كثير من الناس أن معنى القضاء والقدر إجبار الله سبحانه وتعالى العبد وقهره على ما قدره وقضاه، وليس الأمر كما يتوهمون وإنما مفاده الإخبار عن تقدم علم الله سبحانه وتعالى بما يكون من أكساب العبد وصدروها عن تقدير منه».

ومنه لا يمكنا القول بأن الإنسان مسير على الإطلاق أو مخير على الإطلاق، إنما هو مسير في بعض الأمور ومخير في البعض الآخر، فهو مسير في أمور خارجة عن إرادته ولا يستطيع التحكم فيها وليس له أي سلطان عليها وبالتالي تسقط عليه حكمة التكليف مثلًا: اختيار الوالدين، اختيار الجنس ذكر أم أنثى، العمر والشكل، مقدار الرزق، التثاؤب والارتعاش، المرض، والكثير من المسائل التي لا يستطيع الإنسان اختيارها أو تغيير شيء فيها، أما كون الإنسان مخيرًا هذا يعني أن له الحرية الكاملة والمطلقة في الاختيار في أفعاله وتصرفاته وأفكاره، وحتى القضاء لا يلغي حق الإنسان في هذا الاختيار، لأن الله حباه بعقل وإرادة يستطيع من خلالها تمييز الخير من الشر والنافع من الضار، وبالتالي إن اختار الطاعة يثاب ويؤجر عليها، وإن اختار المعصية يأثم ويتحمل وزرها، فالله كلف الإنسان وألزمه الأحكام باعتبار ما أعطاه من العقل والطاقات والإرادة، وبناء على هذا، فإن الإنسان يعمل باختياره فهو مخير في أن يؤمن بالله أو يكفر به، ومخير في اختياراته الشخصية والتي تشمل نوع الطعام الذي يأكله ونوع الشراب الذي يشربه، ومخير في أفعاله كالقيام للرياضة أو مباشرة عمل معين. كل هذه الأمور تعبر عن حرية الإنسان الكاملة في اتخاذ القرارات، والله يراقب أعماله ويجازيه على اختياره ما دام عاقلًا، أما الفرق بين التخيير والتسيير إن أشكل عليك الأمر فنجده في المرض الذي يصيبك (مسير) والدواء الذي تتناوله بيدك (مخير).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد