مازلت أتذكر حسرة أستاذ الموسيقى، وهو يتكلم على الفن الجزائري قديمًا، عن مدى روعته وأصالته، فالرسام يبدع في رسم الشخصيات التاريخية؛ ليقنع الشعب الجزائري بأن له أصلًا وفصلًا، والفنان الموسيقي يغني أغاني تحمل معانيَ وقيمًا روحية إنسانية.

كنت ـ وقتها ـ أعتبر أن هذا الكلام مجرد «خزعبلات»، لا أساس له من الصحة؛ فكيف للفنون أن تحرك شعوبًا بكاملها؟ كيف للفن أن يصنع ما لم تفعله آلاف الخطب والمواعظ!

الفن وسيلة لتحريك الشعوب

ومن طبيعتي أني أؤمن بالنتائج التطبيقية؛ فهي ما غير نظرتي نحو الفن بشكل جزئي تقريبًا، بعد قراءتي عن الكيفية التي استطاعت بها أمريكا أن تروض الشعب النازي، من شعب غاضب متعطش للانتقام؛ بعد الخسارة الكادحة في صفوف النازيين في الحرب العالمية الثانية إلى شعب لطيف يؤمن بالقيم الإنسانية النبيلة؛ عبر بث آلاف الأفلام السينمائية التي تظهر تآزر الشعبين (الشقيقين) عبر تصوير معاناة الشعبين وخسارتهم، وحولت رأي الشعب النازي من حالة الانتقام إلى حالة طلب الاعتذار من العالم.

وسبب ذكري لهذا المثال: لأثبت أهمية الفن بجميع أنواعه في تحريك الشعوب.

التاريخ العريض للفن

نستطيع القول إن الفن الجزائري، أو أي فن آخر كان لديه تاريخ عريض، علينا إثبات مقدار استجابة الشعوب له في تلك الفترة، خاصة فترة المحن والأزمات الحقيقية التي تمر بها البلدان.

خلال فترة السلم، كل فنان يهتم بشؤونه الخاصة؛ فالرسام يرسم الفنانين والمشاهير، والفنان يغني قصص حبه الفاشلة والناجحة، ولكل فنان اهتمام.

لكن خلال فترة الحرب خاصة، تتوجه أنظار جميع الفنانين ومتابعي الفن صوب قضية واحدة محورها الوطن؛ فالشاعر يبدع في نحت أبيات شعرية تحسرًا على وطنه، والموسيقيون في رفع الروح الوطنية، بأغاني لرفع الهمم.

أخيرًا، الجزائر والفن أثناء وبعد الثورة

للرحلة الطويلة ـ أعلاه ـ هدف واحد، وهو تقريبك من الصورة أكثر، وحتى لا يساء فهمي لاحقًا في ما سأقوله.

قبل فترة الاستقلال 

 

كان للجزائر فن حقيقي نابع من بين طيات القلوب، فالكل شعاره الوطن، والقيم الأخلاقية النبيلة، فأبدع الشعراء أمثال «مفدي زكرياء»، الملقب بشاعر الثورة، الذي تفانى في ذكر معاناة الشعب الجزائري إبان الثورة التحريرية، دون أن ننسى الكتاب، أمثال «مولود فرعون»، الذين ساهموا في إيصال صوت المجاهدين إلى قادة العالم آنذاك.

بعد فترة الاستقلال

كانت بدايات ظهور الأفلام السينمائية، فأخرجت أفضل الأفلام العالمية الجزائرية التي معظمها تصور لنا معاناة المواطن الجزائري البسيط في الحقبة الزمنية التي كانت فيها الجزائر تحت نير الاحتلال الفرنسي.

الفن الموسيقي

 

في البداية ظهرت أغاني شعبية وطنية، كانت مزيجًا بين الموسيقى الأندلسية الأصيلة، والكلمات العامية الجزائرية، فأنتجت طابعًا جزائريًا أصيلًا، وللأسف لم يستمر تألقه كثيرًا؛ حتى أتى طابع أغاني «الراي» الجديدة، الذي كان من أبرز أسمائه «الشاب حسني» و«الشاب خالد» و«الشابة الزهوانية»،  كلهم موسيقيون صعدوا من الغرب الجزائري، متأثرين بالموسيقى الجزائرية والمغربية، على حد سواء.

من وجهة نظري كان هؤلاء أول عناوين الفن الهابط في الجزائر، مع أن واحدًا من هؤلاء لو شتمته أمام ثلة من الجزائريين قد تعود منكوب الوجه، أو لا تعود إطلاقًا إلى منزلك؛ فهم يعتبرونه أسطورة لن تلدها أم جزائرية مرة أخرى،

بالرغم من  أن معظم أغانيهم عن مواضيع تافهة: عن عشيقته التي لم تقبل أن تعطيه قلبها، تخيل أغنية كاملة، من 6 دقائق، يرجو فيها فتاة أن تطل عليه من شرفتها، لا أدري ما القيمة الفنية أو الفائدة المعنوية التي سأجنيها من سماعي لموسيقاك الفارغة!

هذه الأغاني كانت قاعدة وحجر أساس للانحراف الفني الموسيقى الذي نشهده اليوم، فوصل الفنان الجزائري من غنائه عن حبيبته، إلى غنائه عن أرضية حمام منزله، وعن شامبو الغسيل.

لست هنا أسيء ـ بشكل أو بآخر ـ لأي طرف موسيقي؛ فالفن يظل فنًا، ولكل فنان إبداعاته الخاصة، بأساليبه الخاصة، ولكن الهدف من مقالتي هذه، هو تبيان أهمية الفن، وإيصال رسالة لأتباع الفن الجزائري، خاصة الذي يشهد انحطاطًا وانحرافًا مستمرًا.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد