لكل شيء إذا ما تم نقصان فلا يغر بطيب العيش إنسان

هي الأمور كما شاهدتها دول من سره زمنٌ ساءته أزمان

أحد عادات العرب قديما كانت الرثاء ومن مميزات العرب وشعراء العصر الجاهلي البكاء على الأطلال، ويبدو أن جيناتنا العربية أبت أن نتخلى عن هذه العادات!

فكل عامٍ وفي نفس التوقيت نقيم مندبة لأي ذكرى منسية سواء كانت “الأندلس أو فلسطين أو العراق أو الشام أو أو” ..

ربما قد تجد المدون منا يبكي على الأندلس وقلبه يَنفطر من الأسى على المسلمين الذين قُتلوا وهُجروا من ٦٠٠عام وهو جالسٌ على مقعده الوثير أو في فراشه الدافئ و في نفس المدينة التي يعيش فيها يعجّ السِجنُ بآلاف “الأسرى” الذين ينامون على بلاط الأرض!

ربما المتابع للتاريخ سيجد أن أهل الأندلس لم يكونوا خونة ولم يكونوا كما “نحب أن نصورهم أحيانا” قد انقادوا للدنيا وتركوا الدين؛ بل على العكس ظلوا متمسكين بدينهم للنهاية، فكان الرجل منهم يحرق حيًا وهو يأبى أن يبدل دينه أو أن يساوم على شرطٍ من عقيدته .

إن سقوط الأندلس كان سقوطا لقيم التعايش فكنت في الأندلس يمكنك أن ترى الألوان والأديان،

فأنت ترى النصراني بجوار جاره اليهودي بجوار جاره المسلم يقيمون في شارع عمره أحد القوطيين في زقاق عمره أحد المغاربة وبجوارهم بائع سلافي (العروق النصرانية بالأندلس قبل دخول العرب) ومن الممكن أن ترى عبدا حبشيا يشتري منه وحرس الشارع أحد الفرسان العرب. في الأندلس كان يمكنك أن ترى كل شيء تريد من العلوم والمعارف والثقافات والأديان.

لكن فجأه كل هذا هُدم.

يخون ملك الإسبان عهده ويقتل المسلمين واليهود وحتى النصارى (بسبب اختلاف كنائسهم) ولا زالت متاحف التعذيب قائمة ولازالت مظاهر (تنصير الأندلس) ظاهرة سواء في مسجد قرطبة أو في قصر الحمراء أو في معالم طليطلة.

في الواقع إن سقوط الأندلس كان سقوطا لنا؛ ففي حين انشغل المماليك بحروبهم الداخلية وانشغل العثمانيون بحروبهم الداخلية واقتصرت مساعدة الأندلس على بعض الحملات العسكرية التي تهدف لنقل أهل الأندلس فقط! وليس حتى لتأمين ولاية لهم أو مدينة (مع العلم أن قوة الدولة العثمانية والمملوكية وسلاطنة المغرب لو اجتمعت كانت كفيلة بسحق جيوش فريدناند وإليزابيث) ولكن كالعادة سقط المسلمون في الاختبار.

تتابع نكبات الأندلس فتسقط ألف أندلس وتستمر هزائم المسلمين في العصر الحديث وتستمر “مرثيات” الأندلس وكأنك لو جمعت كل بيتٍ وكل قصيدة وكل مقالٍ رثى الأندلس في خلال ال٦٠٠ عام التي مضت لوجدت أنها لن تعيد قطرة دم واحدة نزفها أندلسي .

إن الدرس الحقيقي ليس كيف نبكي الأندلس بل كيف نعيد الأندلس، وقبل أن تعيد الأندلس عليك أن تعيد ألف أندلس سقطت وتغافلت عنها من القدس لبغداد لدمشق لصنعاء لبوسنة و الهرسك وأخواتهن وغيرهن الكثير من الأندلسيات .

وإن أطفال الأندلس لا يختلفون عن أطفال فلسطين.

إن رماد قرطبة لا يختلف لونه عن رماد بغداد.

وإن جامع قرطبة لا يختلف كثيرا عن المسجد الأموي بدمشق.

وإن نساء المسلمين بالأندلس لا يختلفن عن نساء البوسنة والهرسك والشيشان وبورما وغيرهن وغيرهن.

إن بكاء الأندلس لن يعيد الأذان لل”الخيرالدا” ولكنه أيضا لن يريح صدورنا.

لذا إذا أردتم أن تبكوا الأندلس فلا بأس أن تبكوها ولكن على الأقل ابكوها بينكم وبين أنفسكم. لا حاجة لأندلس ببكائكم على صفحاتكم الشخصية وحساباتكم ولا حاجة لها بتعاطفكم الذي لن يعيد أطفالها وشيوخها.
الدرس يتكرر منذ ٦٠٠ عام فهل سيكرر المسلمون نفس الغلطة ككل عام؟!

بكاء بلا عمل قمة الخذلان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد