إن «أتاتورك» قام في 6 سبتمبر 1938 «أي قبل وفاته بشهريْن» باستقدام «إسماعيل كونتر» كاتب العدل السادس في شارع «بك أوغلو» إلى قصر «دولمة باغجة»؛ حيث كان يقيم وهو مريض بحضور «رضا صوياك» والبروفيسور «نشأت عمر إردلب»، وسلم إليه وصيته المكتوبة بخط يده داخل مظروف، حيث تمَّ ختمه بالشمع الأحمر في ثلاثة أماكن، وقال لكاتب العدل: «في داخل هذا المظروف المختوم توجد وصيتي، وعندما يحين الوقت المناسب ستقومون بإجراء اللازم».
وفي يوم 28 نوفمبر 1939، فتحت محكمة الصلح الثالثة في «أنقرة» المظروف الكبير أمام هيئة رسمية.
ويقال: إن هذه الرواية ناقصة؛ إذ كان يوجد داخل المظروف الكبير مظروف آخر، وإن هذا المظروف أودعه رئيس محكمة الصلح الثالثة «عثمان سلجوق» في 5 ديسمبر 1939 أمام هيئة رسمية في صندوق سري خاص في المركز الرئيس للمصرف الزراعي الحكومي..

السطور السابقة هي بمثابة خبر نشرته جريدة حريت التركية في شهر 12 عام 2007، ومن بعدها بدأ المهتم بالشأن التركي وبالتاريخ القريب العهد بالبحث والتنقيب، ولكن من أصر إصرارًا لا يصدق على كشف أمر تلك الوصية السرية للأتاتورك هو مواطن تركي عادي. تعرف إليه في السطور التالية:

من كشف الغيوم حول حقيقة وصية أتاتورك؟

مريج توملو أر، هو المواطن التركي الذي بحث حول حقيقة وصية أتاتورك، ولم يقنع بأي جواب كان يتلقاه عندما يسأل المؤسسات المعنية بذلك، منها على سبيل المثال: رئاسة الجمهورية، ورئاسة الأركان.

ويقول المواطن مريج توملو أر الذي أنشأ موقعًا إلكترونيًّا خصيصًا لتلك الوصية:

«قامت المحكمة بقيد وتسجيل هذا المظروف، وضمانًا لعدم فتحه قبل الوقت المحدد له، وهو خمسون عامًا، فقد تمَّ وضعه في صندوق حديدي وإغلاقه بلحام كهربائي. وعندما حان وقت فتحه في فترة الثمانينيات من القرن الماضي لم يصرِّح المسؤول آنذاك وهو رئيس الجمهورية كنعان أورن بأي شيء، ولم يُحِط الشعب علمًا بالمسألة».
والحقيقة أنه عندما حان وقت فتح الوصية وإعلان محتواها لم تتحرك أي جهة رسمية في هذا الصدد؛ لذا قام هذا المواطن عام 2005 بمراجعة محكمة الصلح الثانية عشرة في أنقرة، طالبًا منها الإعلان عن محتوى الوصية حسب قانون حق الفرد في الوصول إلى المعلومات، وذكر أسماء شهود يعلمون بوجود هذه الوصية، منهم رئيس الجمهورية الأسبق كنعان أورن الذي ما يزال على قيد الحياة، وكذلك أمين شيرين نائب البرلمان الأسبق عن إسطنبول.

والكاتب والباحث التركي «آيتوج آلتون دال»، ولكن المحكمة ردت الطلب دون القيام بأي بحث، قائلة: إنه لم يثبت لديها أي شيء حول هذا الأمر.
ثم قام في 19 أبريل 2007 بمراجعة محكمة حقوق الإنسان الأوروبية، وقدَّم إليها عريضة من أربعين صفحة شرح فيها الموضوع بالتفصيل.

وفي 31 مايو 2007 جاء الرد كما يلي: «إن طلبكم المرقم 17820- 7  قد تم قبوله، وسنبلغكم لاحقًا بقرار المحكمة».

 

أهمية تلك الوصية السرية؟

يقول الكاتب والباحث التركي «آيتوج آلتون دال»: «إن أتاتورك كانت له أفكار وملاحظات أوصى بالكشف عنها بعد خمسين عامًا». ويضيف: «قام رئيس الجمهورية (كنعان أورن) وكذلك رئيس وزرائه آنذاك (تورجوت أوزال) رئيس الجمهورية فيما بعد بقراءة هذه الوصية، ولكنهما رفضا الكشف عن مضمونها بحجة أن المجتمع غير مهيّأ الآن لهذا».
ويتابع «آلتون دال»: «في عام 1988، أضيفت مدة جديدة أخرى، وهي 25 عامًا، قبل الكشف عنها. وفي هذه الوصية يرى أتاتورك إرجاع الخلافة الإسلامية، ولكن ليس على أساس فردي أو وراثي، بل على أن يكون العالم الإسلامي كله مشاركًا في مؤسسة الخلافة وفي منصبها بشكل دوري. وفي عام 1958 كان رئيس الوزراء الأسبق الراحل (عدنان مندريس) قد اطَّلع عليها، وهذا ما شجعه مرة إلى القول لنواب البرلمان التركي: لو أردتم لاستطعتم كل شيء حتى إرجاع الخلافة».

كيف ألغيت الخلافة العثمانية؟

أولًا، تفاصيل تلك الفترة تظل غامضة شاملة معها الفترة الأولى بعد إلغاء الخلافة العثمانية، حيث لم يسمح بنشر مذكرات آخر خليفة، وهو الخليفة عبد المجيد، وهذه المذكرات تقع في 12 مجلدًا.

ولم يسمح بنشر مذكرات السيدة «لطيفة أوشاكلي كيل» زوجة مصطفى كمال، وكما هو معلوم فقد انتهى هذا الزواج بالطلاق بعد فترة قصيرة، وكانت قد اعتادت على تسجيل مذكراتها، وهذه المذكرات في شكل دفاتر عديدة، وهي موجودة الآن في لجنة التاريخ التركي، وفي صندوق حديدي، ولا يسمح لأي مؤرخ بالاطلاع عليها، بدعوى أن فيها ما يسيء إلى صورة مصطفى كمال لذا فلا يجب أن تطلع الجماهير عليها، لكي لا تهتز الصورة الجميلة لمصطفى أتاتورك.

وتم منع نشر القسم الأعظم من مذكرات القائد التركي المشهور المارشال فوزي جاقماق وزير الدفاع في عهد مصطفى كمال «المشهور بتدينه الشديد»، والذي تناول فيها حرب الاستقلال التي خاضها جنبًا إلى جنب مع مصطفى كمال، ومع القادة الوطنيين.

 

ولكن سنسرد ما جاء في كتب التاريخ عن كيفية إلغاء الخلافة العثمانية:

إن أسعد فترات تاريخنا هي الفترات التي لم يكن فيها حكامنا خلفاء، كما أن الفرس والأفغان ومسلمي أفريقيا لم يعترفوا بخليفة إسطنبول، لقد أبقينا الخليفة احترامًا لتقاليد سابقة نجلُّها، ونحن نحترم الخليفة.

الكلمات السابقة أدلى بها أتاتورك أمام المجلس النيابي التركي بعد فصل السلطنة عن الخلافة.

حيث في 1/ 11/ 1922 قام صديقان من أصدقاء مصطفى كمال في المجلس النيابي، وهما الدكتور رضا نور، وحسين عوني بتقديم مشروع إلى المجلس النيابي يقترح فصل السلطنة عن الخلافة، أي أن الخليفة لم يعد يملك سلطة سياسية، بل تحول إلى رمز ديني فقط.

ووافق المجلس على المشروع، فتم فصل السلطنة عن الخلافة، وهكذا حيل بين الدول، وبين دعوة حكومة إسطنبول إلى المباحثات؛ لأن أنقرة أصبحت الحكومة الوحيدة التي تمثل تركيا سياسيًّا، وخشي وحيد الدين على نفسه فخرج من إسطنبول على ظهر بارجة بريطانية، وجرى نقاش في المجلس حول هذا الخروج.

وبقي منصب الخلافة شاغرًا، وكان لا بد من ملئه، فتقدم نائب قونية السيد وهبي أفندي إلى المجلس باقتراح حول انتخاب خليفة، تم التصويت في البرلمان، واختير عبد المجيد أفندي خليفة، إذ نال 148 صوتًا من مجموع 162 صوتًا، وقام مصطفى كمال -باعتباره رئيس الحكومة- بإبلاغ النتيجة إلى الخليفة المنتخب.

كان موعد افتتاح المجلس النيابي هو 1/ 3/ 1924. وفي خطبة الافتتاح قال مصطفى كمال: «إن هذه الأمة تريد الحفاظ على الجمهورية الآن، وإلى الأبد تجاه جميع أنواع الهجوم، وصيانتها بكل حزم، لا يمكن إبقاء أي كابوس معلقًا على هامة هذه الأمة التركية».

وفي يوم 3/ 3/ 1924 عقد المجلس النيابي جلسة تاريخية لتقرير مصير الخلافة. لم تستغرق هذه الجلسة التاريخية سوى ثلاث ساعات ونصف الساعة، ثم صدر القرار بإلغاء الخلافة التي استمرت أكثر من 1300 سنة، كما صرح المجلس بأنه سيتقلد واجبات الخلافة.

في يوم 4/ 3/ 1924 نفي الخليفة عبد المجيد مع أفراد عائلته وأقربائه، وجميع أفراد آل عثمان إلى خارج البلد.

*************

يتحدثون في إسطنبول عن كتاب جديد باسم «شاه بابا»، من تأليف أحد المؤرخين المتخصصين في التاريخ العثماني، اسمه مراد بارداتجي، وأهمية الكتاب تكمن في أنه يسلط أضواء جديدة على علاقة التفاهم وليس التخاصم بين مصطفى كمال أتاتورك، والسلطان العثماني وحيد الدين خان، فيذكر مثلًا أن لقاءً سريًّا تم في عام 1919 بين السلطان، ومصطفى كمال باشا داخل مسجد «يلذر» بإسطنبول، وفيه تم الاتفاق على أن يتولى الثاني قيادة مقاومة قوات التحالف الأوروبي التي اجتاحت السلطنة، حتى أصبح نظامها مهددًا بالانهيار، وفي أعقاب ذلك الاتفاق، الذي أقسم مصطفى باشا على المصحف خلاله بأن ينهض بالمهمة التي كلفه بها السلطان وحيد الدين، وحدد عناصرها في 21 نقطة، توجه الرجل إلى الأناضول، وصد زحف القوات اليونانية، ونجح في النهاية في أن يحفظ لتركيا تماسكها في مواجهة الغزاة الذين أرادوا إخضاعها وتفكيكها.

فهمي هويدي

بتلك الكلمات افتتح فهمي هويدي أحد مقالاته عن أتاتورك وتركيا،

وبتلك الكلمات سوف افتتح جزءًا ثانيًا، تكملةً لهذا المقال بعون الله تعالي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد