غالبًا ما تتردد على ألسنتنا كلمة «استقلالية»، فمنا من يتحدث عن استقلالية السلطات الثلاثة (السلطة التشريعية، السلطة التنفيذية، السلطة القضائية)، ومنا آخرون يتحدثون عن استقلالية الدولة عن الدين أو ما يصطلح عليه فصل الدين عن الدولة.

وعليه، بما أن الاستقلالية والحديث عنها أخذ الحيز الكبير من انشغالنا، فلا عيب أن نثير استقلالية المجتمع المدني؛ ولا نقصد الاستقلال المادي أو المالي فحسب، بل الاستقلال السياسي أيضًا، أي الاستقلال عن المنظمات السياسية.

يتناول الدستور المغربي دور الأحزاب السياسية وما تقوم به من تأطير وتكوين المواطنين، بل تعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية والمساهمة في تدبير الشأن العام، وتناول الدستور أيضًا دور جمعيات المجتمع المدني، إذ تساهم في إعداد قرارات ومشاريع لدى المؤسسات المنتخبة والسلطات العمومية، وكذا تفعيلها وتقييمها.

وبالتالي، فإن من المنطقي طرح سؤال بخصوص ما يميز أو يفرق الحزب السياسي عن الجمعية المدنية، علمًا أن كلتا المنظمتين تشتركان في الإسهام بشكل أو بآخر في تدبير الشأن العام؟ وهذا يجعلنا نطلق على مساهمة الحزب السياسي بالمشاركة المباشرة، ومساهمة الجمعية المدنية بالمشاركة غير المباشرة.

عند النظر في واقع المجتمع المدني، نلحظ نوعًا من السيطرة – إلى حد ما – من طرف أشخاص فاعلين في المنظمات السياسية على أغلب الجمعيات، إذ تتأسس على أيديهم في حالات، مع انخراطهم في ذلك بقوة حسب حالات أخرى، الأمر الذي يدعونا للتساؤل عن مدى ضمان استقلالية المجتمع المدني في قراراته، بل أكثر من ذلك، يتوجب علينا الإجابة عن سؤال في غاية الأهمية، يتعلق بمدى نجاح المجتمع المدني بمساهماته في إعداد وتقييم قرارات الفاعل السياسي، وأيضًا مشروعات المؤسسات المنتخبة، عملًا بمبدأ التجرد والحياد دون التأثر بالمرجعية السياسية.

لعل خوض تجربة ميدانية يغنينا عن عناء البحث لاتخاذ الموقف السليم، ذلك أن الدستور المغربي وبعض القوانين الأخرى نصت على ضرورة إشراك الفاعل المدني في صناعة القرار، فتحدثت عن صنفين من المساهمة، الأولى: تتعلق بتأسيس هيئات مدنية، تنوعت مسمياتها واختصاصاتها، تقدم آراء استشارية للمجالس المنتخبة. والثانية: تتعلق بالتعامل مباشرة مع فعاليات المجتمع المدني بإحدى الوسائل المتاحة (تقديم العرائض، عقد لقاءات تشاورية…).

لكن ما يلاحظ على العلاقة التي تربط المجالس المنتخبة بهذه الهيئات أو فعاليات المجتمع المدني عمومًا، هو طغيان تبرير أو انتقاد السياسات المتعامل بها، أي القيام بدور المساند الرسمي؛ عندما يتعلق الأمر بفاعلين مدنيين لهم نفس الانتماء السياسي لمسيري المجالس المنتخبة. أو لعب دور المعارضة الشرسة؛ حينما يتعلق الأمر بفاعلين مدنيين ذوي توجه سياسي مخالف للقائمين على المجالس المنتخبة.

إذًا فعلى سبيل الجملة أقول: إن نجاح المجتمع المدني في مهمته المحددة في الدستور بشكل عام، يقتضي أن تكون المهمة ذا بعد استشاري وتوجيهي بامتياز، فيلجأ الفاعل السياسي إليه مستشيرًا، بينما يقابله الفاعل المدني بالتوجيه والإرشاد، حتى يبصره بالعيوب والنقائص مع اقتراح البدائل، ملتزما المنهج الأكاديمي المتسم بالحياد والتجرد، حتى لا ينساق مع الخطاب السياسي الذي يعكر الأجواء بدل تهدئتها.

لكن هذه المهمة المحددة أعلاه، يصعب تحقيقها بسهولة، إلا إن صاحبتها بعض الإجراءات العملية.

يتوجب على المشرع إضافة نصوص قانونية تمنع على السياسي ممارسة العمل الجمعوي في بعض الحالات، لا سيما عندما يتعلق الأمر بالهيئات التي يجب استشارتها قانونا من طرف المجالس المنتخبة؛ أي عدم انتساب الفاعل الجمعوي لأي منظمة سياسية خلال قيامه بالمهمة المنوطة به من داخل الهيئات المعنية.

وبكلمة أخيرة أقول: حتى يتحصل لدينا مجتمع مدني قوي ومستقل، بل حتى نحيي دور الأحزاب السياسية، لابد من إرغام الفاعل السياسي على الانسحاب بشكل تدريجي من منظمات المجتمع المدني، لأن انصرافه هذا، سيحيي من جديد همته للتحرك باسم منظمته السياسية حتى تتقوى وتقوم بدورها الأساسي؛ ما يعني تحقيق المبتغى كما يقول المثل العربي: «ضرب عصفورين بحجر واحد».

اللهم ارزقنا المنطق السياسي السليم والعمل به.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد