مع نهاية العام الفائت انتشر خبر الفيروس الخطير المسمى كورونا في الصين، وما هي إلا أيام قلائل من انتشاره حتى وصل إلى بلدان أخرى، حتى أجبرها على إعلان حالة الطوارئ في البلاد، وظل ينتشر كانتشار الهواء في الأرجاء، ويستطيع الفرد الذي يحمل الفيروس أن ينقله لعشرات الأشخاص في فترة وجيزة، والعشرات يستطيعون كذلك نقل الفيروس إلى مئات الأشخاص وهلم جرا، وهو يحصد أرواح الآلاف حتى يصل للجانب الآخر من الكرة الأرضية.

سبَّب الفيروس حالة هلع شديد في العالم، خصوصًا في موطنه الأصلي الصين، وأدى لإغلاق السكينة العامة في البلد، فقد تسبب في شلل شبه تام لمظاهر الحياة، ولا شك ولا ريب أن الصين تقاتل الفيروس نيابة عن العالم كافة، وإذا ما خسرت الصين معركتها مع هذا الفيروس الخطير، فإننا سنشهد دولًا كبرى تتساقط كأحجار الدومينو أمام المرض، وحينها تعم الكارثة في العالم، ونحمد الله ونشكره على لطفه وعنايته بنا، بحيث لم ينطلق في البلدان العربية، فإمكانياتنا المتواضعة لا تضاهي إمكانيات دولة مثل الصين في مجال الصحة، وغيرها من المجالات.

عمومًا لسنا بصدد الإسهاب في ذكر مدى خطورة الفيروس وسرعة انتشاره، ولسنا متخصصين في ذلك حتى نسهب، ولكن أحببنا نستهل حديثنا ببعض المعلومات عن الفيروس لنبين مدى خطورته على البشرية، ولندخل في صلب الموضوع مباشرة، وهو كيف تلقى العقل المسلم والعربي خبر انتشاره؟ وبأي منظور أو زاوية نظر إليه الإنسان العربي والمسلم على وجه الخصوص؟

مما لا شك فيه أن العقل العربي من أكثر العقول المتشبعة بنظرية المؤامرة، فنجد مواقع التواصل الاجتماعي تعج بملايين المنشورات والتغريدات التي تطرقت لفكرة المؤامرة ضد الصين، وتعذرت بالمنافسة التجارية بين الولايات المتحدة الأمريكية وجمهورية الصين الشعبية، وللأسف قد تصدر أحيانًا هذه الآراء من بعض الاطباء، رغم كون الخطاب الرسمي للدول وخصوصًا الصيني منه، لا تفوح منه رائحة المؤامرة المتداولة عند العرب، وعلى أي حال فالثقافة الشرقية تنبذ فكرة المؤامرة نبذًا مطلقًا، وقد قدمت اليابان مثالًا بارزًا في ذلك بعد هزيمتها من الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب العالمية الثانية، فبدلًا من مقاطعتها والاستمرار في الندب والشجب والإدانة، كما هو الحال عند العرب، فعلت عكس ذلك تمامًا، ومدت يدها لغريمتها المنتصرة أمريكا لتساعدها على النهوض من كبوتها، وما هي إلا عقود قلائل حتى باتت تضاهيها في بعض المجالات، بل تتفوق عليها أحيانًا.

دعونا نناقش تلقي العقل المسلم لفيروس كورونا من زاوية دينية، فكثير من المسلمين قرنوا انتشار الفيروس في الصين بقضية شعب الإيغور المسلم الذي عانى من الاضطهاد، وكأنه عقاب الله وانتقامه حل بالصين والصينيين، ولقد فاحت رائحة التشفي من بعض خطباء المساجد في «الجنس الأصفر»، وما حدث لهم من وباء، مع العلم أن بلاء أمريكا في المسلمين أشد وأنكى من بلاء الصين، وكذلك بلاء المسلمين بالمسلمين أنفسهم أسوأ وألعن، وليتنا نمثل بالمثل القائل «من كان بيته من زجاج لا يرمي الناس بالحجارة»، فلو فتشنا في الخرائط لوجدنا ديارنا هي أشد الديار بلاء وفتنة في العالم.

يجرنا مثل هذا التساؤل الخطير لتساؤلات عديدة حول مصداقية العدالة الإلهية، فننجر مجبرين لسؤال آخر هو: أين بلاء الله لإسرائيل أو لعموم الطغاة في الأرض؟

ولا شك إذا ما طرحنا هذا النوع من الأسئلة سنتوه في إجاباتها، ومعظمها ينم على جهل أصحابها بالمستقبل، وقد تساءلت الملائكة من قبل حول خلافة آدم للأرض بقولهم: «قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ…»، ولكن إجابة الله كانت صادمة ومفتوحة: «قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ»، وهذا حال من يستبق قضاء الله وقدره.

وقد كانت إجابة الرجل الصالح أيضًا صادمة لنبي الله موسى، عليه السلام، في حادثة قتل الغلام وخرق السفينة الواردة في سورة الكهف فكرر له قول: «قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا»، ثم: «قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا». ثم: «قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا». وهذه الإجابة تلخص جميع التساؤلات حول الحكمة من الابتلاء، وذلك لكوننا لم نحط علمًا بالمستقبل حتى نفتي في موضوع الغرض من الابتلاء.

بعض المسلمين جعلوا بلايا الله صكوكًا في أيديهم يقسمونها كيفما شاءوا على الخلق، والمنطق خصيمهم دائمًا؛ فتراهم تارة إذا نزل بهم البلاء يستشهدون بحديث «إذا أحَبَّ اللهُ عَبداً اِبتَلاهُ»، أو آية «أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ»، أما إذا نزل العذاب بغيرهم يستشهدون بـآية «إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ» وآية «…فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا ۖ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ».

ومن يكون منطقه على هذا المنوال قد ينسى أن الابتلاء غير محصور بالشر وحده، فحتى الخير قد يكون بلاء أيضًا كما في الآية: «وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً» وأيضًا الآية: «الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا..»، كما أن الحياة كلها ابتلاء في ابتلاء كما في الآية: «إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا» وآية : «الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ..» وكذلك آية «يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ»، وقد أجاد ابن عطاء الله السكندري في حكمه حينما قال: «من لم يقبل على الله بلطائف الإحسان سيق إليه بسلاسل الامتحان».

ربما كان مصدر فكرة العقاب سياق القصص القرآني للأمم الغابرة التي كذبت الرسل والأنبياء، ولكن ما يغفل عنه البعض أن معظم العقوبات التي وقعت بدعوة نبي، فقوم فرعون مثلًا أهلكوا بدعوة موسى عند قوله: «وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آَتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا العَذَابَ الأَلِيمَ»، وكذلك قوم نوح أهلكوا بدعوة نبيهم بقوله: «وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا»، وأيضًا دعوة نبي الله شعيب على قومه: «… رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ…».

وقد يكون الهلاك بفعل البطرة أو الكفر بالنعمة، مثل قوم سبأ: «فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ…»، وقوم لوط استبدلوا بالغلمان النساء كما في الآية: «.. أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون».

وكذلك قوم صالح استعجلوا العذاب على أنفسهم بقولهم: «وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ»، ولا ننسى أن الحياة الدنيا ليست دار جزاء حتى ننتظر سخط الله على الظالمين، وإن كان غضبه قد يحل بالخلق في الدنيا، فالدار الآخرة هي دار الجزاء الحقيقي، وفيها يعاقب المخطئين ويكافئ المحسنين، أما عقاب الدنيا فتارة يكون بغرض تكفير الخطايا، وتارة بغرض عقاب وانتقام لأفعال الناس، وتارة يكون عظة وعبرة لأولي الألباب: «… وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ».

ولا يستطع أحد الجزم بغرض نزول البلاء سوى الله ورسله، وليس من الحكمة لنا كمسلمين في الجزم في الإجابة عن هكذا أسئلة، ما دام الابتلاء لا يستثني أحدًا من البشر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد