ما الثقافة؟ ربما تساءل أحدكم قبلًا، من أنتج هذه الثقافة؟ يمكن أن نقول إنها نتاج وعي جمعي لا واقع له، فجأة نجد أنفسنا مجبرين على التكيف داخل هذه الثقافة أو تلك، إلا أن المشكلات التي نعيشها اليوم تبتغي حلولًا تتحدى كل المعايير والتوقعات الثقافية، بمختلف أبعادها الإيديولوجية، والسياسية، والاجتماعية.

ذلك أن الحق في التفكير لا يمكن أن يلغيه أي بعد من هذه الأبعاد، وكذا الرغبة في استكشاف الأفكار الخالصة حول ماهية الواقع، وماهية القيم الإنسانية المنشودة في العالم، وهذا يتطلب تجاوزًا لكل المحددات الثقافية بغض النظر عن الانتماءات الذاتية، ما دمنا ننتمي للجنس البشري ومنخرطين في هذا الوجود جميعًا، ولا يمكن لأي كان أن يمتثل لنظام يدعي أنه يمتلك إجابات مطلقة، فبهذا الادعاء يتشكل العائق الأخطر أمام استكشاف الواقع بعقل متفتح، ولا يمكننا إلا أن نقول إن النماذج التي عشناها وما زلنا نعيشها أصبحت مهترئة وأي تسامح معها يعد إشارة للامتثال وللاضطهاد الذي تمارسه ثقافة لا تعطي اهتمامًا للإنسانية.

والحل للتحرر من هذا العائق هو التحلي بإرادة صارمة وانضباط عقلي، نحو تغيير كلي تجاه قضايا إنسانية عديدة (التاريخ، العرق، الجنس، الدين، الإيديولوجيا..)، يجب أن يظل الرهان الأساسي هو كيف من الممكن أن نستفيد من كل الاتجاهات الفكرية، سواء المتعلقة بالفلسفات والعلوم، أو الروحية المتعلقة بالأديان، والاستغناء عن الطقوس الزائفة، والعمل على فهم الإنسان في كليته بوصفه جسدًا وقلبًا وروحًا.

هذا التغيير المنشود لا يمكن أن يأتي عرضًا، وإنما بعد أن يعي الناس معضلة الوجود، آنذاك يمكن أن نتحدث عن حلول حقيقية، مع الأخذ بعين الاعتبار التقدم التقني والتكنولوجي من أجل توصيل هذه الرسالة وتغيير الرؤية. لا يمكننا إنكار أن الانتماء الثقافي كان وما زال يشكل سلاسل تكبل العقول تحول دون التواصل أو فهم العالم الخارجي.

تجاوز الثقافة أصبح شيئًا مهمًّا وملحًّا للنجاة، فهي لا تعلمنا إلا أن العالم شيء واحد، وتغفل الأبعاد المتعددة، نظام مغلق للتفكير محدود بالرجوع الدائم للأصل أو العرق، هذا التجاوز هو تجسيد للنضج الفكري والذي يتجلى في القدرة على حمل فكرتين متناقضتين أو أفكار مختلفة في الذهن، من أجل تحقيق رؤية واضحة تجاه مفهوم الإنسانية، وإعادة إحياء الميول الروحية أو الجمالية بعد أن حجتمها الثقافة، ونحن نعيش عالمًا افتراضيًّا بعيدًا عن الحقائق، فالعوالم الافتراضية ليست الواقع الافتراضي الإلكتروني فقط، وإنما الواقع الذي لا تمارس فيه اختياراتك الحرة هو واقع يفرض عليك سلوكيات محددة، بعيدة عن حياتك الحقيقية.

ستعيش وسط ثقافة لا مُنتمٍ، وترغب في البوح دائمًا: «أنا لا أنتمي إلى هنا». الانتماء ليس بعدد السنين، إذا شعرت أنك لا تنتمي إلى هذا العالم، فأنت خُلقت لتصنع عالمًا آخر. لا تنصت لهم، كل ما عليك فعله فقط: أن تنتمي لنفسك.

طبيعة الإنسان يفر من الوحدة ويهرول للجموع وإملاءاتهم، لكن الوحدة الحقيقية تكمن في النظرات التي ترمقك وتتفحصك، والموضوعات المشبّعة بالأكاذيب، والأسئلة الفجّة التي تسبّب لك شعورًا مُباغتًا بعدم الانتماء.

هذا الكلام عن الحذر من وهم الثقافة لا نبتغي به أننا نريد مجتمعًا من دون ثقافة، فأي مجتمع تتراجع عنده مقومات الثقافة تزداد فيه، في الوقت ذاته، نسبة الفوضى، ولكن المطلوب هو ثقافة لا تساهم في التدهور بدل التقدم، ثقافة تنشغل بالقيم التي تهم الإنسان.

إن هذا القول ليس دعوة للتنكر لكل ما يلامس الثفافة، وإنما دعوة لإنتاج فردي كذلك بدل الاستكانة لظلها، فالأفكار ليست للقولبة، لا يوجد وعاء واحد يحويها جميعها في داخله.

قد نكون مجبولين من طينة الرفض، مأساتنا الخضوع، وليس هناك أصعب من أن نهز ضمائرنا وفكرنا أيضًا للموافقة، لذلك فالحلول تأتي بالرفض!

جميع إنجازاتنا نحن البشر أتت من قول لا، أتت بنمو النقيض ليواجه وحش الشبيه، فلا شيء يضر كما يضر الشبيه. نخلقُ بأعينٍ معصوبة، بدماغٍ فارغ يُملأ رويدًا رويدًا بالقناعات، ويجب أن نتقيأ ما لا نريده منها من الحين للآخر، فما الحياة إلا بحث عن الحقيقة في طريقٍ مملوءة بالأكاذيب والزيف، نجملها ما استطعنا، وحتى لو لم نصل إلى الحقيقة، السعي إليها واجب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد