يقول ابن الخطاب عمر رضي الله عنه: «لقد كنا أذلاء فأعزنا الله بالإسلام، فإذا ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله».

فاعتزازنا بالإسلام يقوى يوما بعد يوم، وإيماننا بأحقية هذا الدين لقيادة البشرية في ازدياد مستمر، وفشل النظريات الاقتصادية، والقيادات السياسية، في توفير السعادة، والاستقرار للإنسانية المعذبة، وتمكين النظام في هذا العالم، ليؤكد على الفشل الذريع لجميع النظم والتيارات، والمذاهب. قال تعالى في كتابه «ظهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ» ‏ ‏ (الروم‏:41)‏.

نرى المئات بل الألوف من الناس يتزاحمون على هتاف صارخ، وحناجر مبحوحة، وكلهم أو جلهم ينتسبون إلى الإسلام، يحطمون حصونهم، ويمزقون أواصرهم، ويخربون بيوتهم بأيديهم، يقودهم إلى ذلك شعار قاتل وراية مهلكة، عجزوا عن كشف حقيقتها، لأن الميزان لم يستقم في أيديهم، ولأن العاطفة والعصبية أسلمتهم إلى الشعار القاتل والراية المهلكة.

لقد دلفت شعارات كثيرة إلى ديار المسلمين، وساقت الملايين إلى سم زخارفها، ووهج شهوتها، وبريق خداعها،  فدخلت فتنة القومية، وخرجت وهي تحمل زخارف شياطين الإنس والجن، دفعتها الحمية والعصبية إلى الميادين والعقول، إلى الصحافة والكتب، ومن العجب أن بلغ المكر حدا جعل من المسلمين من يهبّ ليلبس القومية رداء الإسلام، ويزينها ويدعي أنها من الإيمان، حتى تصدق النفوس الجاهلة، على متعة ولذة من النعاس.

وظهرت الاشتراكية، فوجدت في مجتمعاتنا ما وجدته القومية، وأصبحت الاشتراكية هي مظهر الوطنية الخادع، وشعار الحرية الكاذب، ونعق بها كل ناعق، وصفّق لها الأتباع، ولحق بها التائهون وطبلوا لها على دماءٍ مسفوحة وأنّات مكبوتة، ومعتقلات مملوءة، وتقطيع، وتعذيب، ولم تحرم الاشتراكية من رجال ألبسوها ثوب الإسلام، ليلبسوا على المسلمين دينهم، قامت الاشتراكية بما لم تقم به القومية، كأنها تكمل الجريمة، وتتم القصة.

شعارات طوتها الأيام على جراح خلفتها، وأمراض أورثتها، وشعارات ما زالت زخارفها تحمل الوهج والبريق، والناس تألفها كأنها جزء من فكرهم وتصورهم وعقيدتهم، ومن هذه الشعارات الثابتة الديمقراطية، شعار تحمله علوم الغرب وصناعته، تحمله جيوشه ومدافعه وطائراته، يحمله استعماره واحتلاله، وتحمله كل أدوات التظليل، وزخارف الفتنة، وبطش القوة، وما يميز هذا الشعار عن سائر الشعارات، أنه دخل بلحمه وعظمه وثوبه الغريب، حتى أنه لم يجد لفظة تناسبه في اللغة العربية كغيره من الشعارات، انتشر حتى عم الأجواء، واختلط مع معالم الإسلام، ولقد جرف في فيضه كُتَّابا ومفكرين، وتحكم حتى حرك أقلامًا، وأدار رؤوسًا، وأنطق ألسنة.

يقول عباس محمود العقاد في كتابه الحرب العالمية الثانية «فانتشار الديمقراطية مصل واق من الحروب، أو مخفف للإصابة بها ولو بعض التخفيف، وشيوعها في العالم ينصف الأمم الضعيفة، كما ينصف الأفراد الضعفاء».

جاءت الديمقراطية إلى مصر بلد العقاد، جاءت بدولها وجيوشها، فهل ردّت السلطان إلى الشعوب، أم نزعته من الفرد ونزعته من الشعوب؟ أين المصل الواقي؟ ولماذا لم ينفع في مصر وفي سائر بلاد الإسلام؟ أين إنصاف الأمم الضعيفة؟ أين إنصاف الأفراد الضعفاء؟

انسلت الديمقراطية بلفظتها، وأبت التعريب، وانسلت أفكارها تغزو القلوب والعقول والنفوس، وهبّ من المسلمين كما هبّ لغيرها، ليبحث عن مقاس إسلامي، أو كساء إسلامي، حتى كاد البعض يظن أنها من الإسلام.

تعود أهمية الديمقراطية أو كما يدّعون  إلى أنها الطريق الوحيد لتقدم ونهضة الأمم، ونلمس في الدول الديمقراطية آثار هذا التقدم والرقي في كافة الميادين الفكرية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأخلاقية، فإذا كانت الديمقراطية كذلك وإذا كان هذا هو أثرها، فماذا بقي للإسلام إذن؟ أين الرقي في الدول الديمقراطية؟ أفي معاهدة سايكس بيكو؟ أم في وعد بلفور؟ أم في ما نراه من حال العالم الإسلامي والدول المتخلفة بعد مئات السنين من الاستدمار الديمقراطي لها؟ الديمقراطية ذاتها، وأهلها ومبتدعوها، لم يدّعوا لأنفسهم رُقِيّا خلقيا أعلى من الميكافيلية، ولا أعلى من الانحلال الجنسيّ، وإباحة الزنا واللواط، والعري، والخمر، وجميع الكبائر، ثم يأتي مسلم فيسبغ عليها، حسب النص السابق، ثوبا فضفاضًا من الأخلاق، إلا إذا انقلبت مقاييس الأخلاق.

أمّا أنها الطريق والسبيل الوحيد لتقدم الأمم فإنه ادعاء واسع، لا لأن يكون التقدم هو التقدم العلمي والفني فحسب وصناعة أدوات التعذيب وصناعة آلات الدمار.

إن هذا التقدم والرقي بابه مفتوح لكل الأمم مهما كانت نظمهم الاجتماعية، أو الفكرية، إنه باب مفتوح للمؤمن والكافر. قال الله تعالى: «وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ». الزخرف33 / 35

ولقد بلغت اليابان درجة عالية من هذا الرقي المادي في ظّل عبادة كافرة، وحكم ديكتاتوري قاطع، حين كانوا يعبدون الإمبراطور، وروسيا الدولة الشيوعية الملحدة،

فعجبا كل العجب للكاتب حين جر قلمه في النص السابق، وينساق القلم المسلم أحيانا ليقع في مثل هذه الأخطاء، حيث يتابع القلم السابق ويقول ( واتباعا للقاعدة الديمقراطية: إنّ ما يمس الكلّ يجب أن يشترك في تقريره الكل ) فيرد عليه الدكتور عدنان علي رضا النحوي: « كثرة الطباخين تشيط الطبخة»، فمثل هذه القاعدة تُرَدّ بمثل هذا المثل.

يقول البعض: ومع أن روح الديمقراطية الحرّة بدأت في الزوال إلا أننا لا زلنا نجد في عهد معاوية لقرب العهد بعصر الرسول صلى الله عليه وسلم بقيّة من ذلك الإشعاع الديمقراطي الحر الذي تركه الرسول في أعماق النفوس.

مساكين المسلمون! هانت عليهم أنفسهم، وهان عليهم فكرهم، وهان عليهم دينهم، وهانت عليهم لغتهم، فلم يجدوا ما يعتزّون به غير أسمال بالية وخرق ممزقة! عجبا كيف غاب عن بال صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم؟ عجبا كيف غاب ذلك كله عن فقهاء المسلمين ووجدها بعضنا اليوم؟

ختاما يقول الدكتور عدنان علي رضا النحوي في كتابه الشورى لا الديمقراطية ص 31: «إنا لا نستطيع أن نستشهد بتقدّم شعب من الشعوب في الميدان العلمي والفني، لنستدل على صحة عقيدته، وسلامة نهجه، وعدالة حكمه. فقد بيّنا أنّ التقدم هذا تمّ في ظلّ جميع العقائد، وكل المناهج، وجميع النظم، فهذه سنّة الله في الكون أن فتح ذلك للإنسان كلّه، لمن ينهض ويعمل، ويسعى ويفكر».

«كُلًّا نُمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا»  الإسراء20

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد