– دعونا قبل الاستطراد في الإجابة على هذا السؤال المحوري، أن نوضح ماذا يعني “استثمار أجنبي”، والداعي لمثل هذا الاستفهام أولًا هو أنه قد كثُر الحديث حول الاستثمار الأجنبي باعتباره الهدف المعلن الذي أقيم حوله مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي، وما نلاحظه من انحرافات وتشوهات تشوب المعنى الحقيقي لهذا المصطلح حتى بين القائمين على أمور السلطة داخل الدولة، مما أستوجب معه الوقوف لمراجعة المفاهيم وإعادتها إلى وضعها الصحيح.

– الاستثمار الأجنبي نوعان: إما استثمار مباشر بمعنى تحرك رؤوس أموال أجنبية إلى داخل الدولة لإقامة مشروعات لإنتاج سلع وخدمات، وهو ما يهمنا هنا، وإما استثمار بامتلاك أسهم وسندات فقط بمعنى تحرك رؤوس أموال أجنبية إلى الداخل لشراء وبيع الأسهم أو السندات.

– وبالتالي فالاستثمار الأجنبي الحقيقي يؤدي إلى توسيع القاعدة الإنتاجية للدولة، ومن ثم حدوث زيادة في الناتج المحلي الإجمالي، وبالتالي ارتفاع معدل النمو؛ وما يصاحب ذلك من تشغيل للعمالة، وإدخال التكنولوجيا الحديثة إلى البلاد، وتقليل العجز في الميزان التجاري من خلال زيادة الصادرات، وتقليل معدل التضخم إذا كان ناتجًا عن زيادة الطلب على السلع والخدمات مع جمود الجهاز الإنتاجي لوفرة السلع والخدمات والمنافسة الحرة، وزيادة إيرادات الدولة من خلال متحصلات الضرائب والرسوم، ناهيك عن التنمية الاجتماعية الناتجة عن المؤشرات الإيجابية السابقة، بمعنى حدوث انتعاش في الاقتصاد أو أن “الجميع يغنم”.

– هذا هو الطريق الطبيعي والمفهوم لتأثير الاستثمار الأجنبي في دفع الاقتصاد.

أما ما عدا ذلك فهو انحراف في تصور المفهوم، ويأتي بنتائج عكسية وبخاصة إذا كان معتنقو هذا التصور من القائمين على إدارة دفة الأمور.

وبالإضافة إلى مثل هذه التشوهات في فهم المصطلح، فإن هناك من يعتقد وبقوة، بل ويدافع عن فكرة أن الاستثمار الأجنبي يستطيع بناء اقتصاد دولة، وهو أمر غير صحيح بالمرة، فهو وإن كان ذا أهمية الا أن بناء الاقتصادات تكون بسواعد أبنائها وبالإدارة الحكيمة والفعالة لإمكاناتها، أما الاستثمار الأجنبي فيعد مجرد مُكمل ودافع للاقتصاد فقط.

– وبالتالي فلا تعد دخول رؤوس أموال أجنبية – للاستحواذ على مشروعات محلية بهدف تملك أرض المشروع أو المنشأة بثمن بخس لا يرقى حتى لربع القيمة الحقيقية للأرض فقط، كالمشروعات المطروحة من قبل الدولة، ما يعرف “بالخصخصة”- لا تعد استثمارًا حقيقيًّا.

ولا يعد السماح لهذه الأموال بالاستثمار في قطاعات وطنية تعاني من مشاكل وعقبات يمكن حلها والنهوض بها مثل قطاع النسيج، أو قطاعات حيوية تمس الحياة اليومية للمواطنين كالصناعات الاستهلاكية والغذائية، لا يعد استثمارًا، ولا يوسع القاعدة الإنتاجية.

كذلك لا تعتبر رؤوس الأموال القادمة للاستفادة من التنازلات السخية التي تقدمها الحكومة كالصناعات الاحتكارية الموجودة، مثل صناعة الأسمنت، حيث تحصل على الوقود والكهرباء والمواد الطبيعية بأسعار متدنية ومدعومة، في حين أنها تطرح إنتاجها في السوق المحلي بالسعر العالمي، وبالتالي تحقق أرباحًا خيالية، فلا يعد ذلك استثمارًا حقيقيًّا.

** كان لا بد من هذه التوطئة قبل الإجابة على السؤال المطروح: هل مصر مكان جاذب للاستثمار حقًا؟ وما العوامل التي تدفع بأي مستثمر إلى الاستثمار في هذا البلد دون الآخر؟
دعونا نتفق أولًا أن أي مستثمر يهدف من وراء استثماره إلى:

– تحقيق الربح.
– ضمان الأمان لأصوله التي سيقوم بإنشائها.
– ضمان الخروج الآمن في أي وقت دون إلحاق الأذى به أو بأصوله.
وبالتالي إذا كان هناك عوائق في دولة ما تحول دون تحقيق هذه الغايات، فلن يلبس إلا أن يعطي ظهره لها ليبحث عن مكان آخر.
ومن ثم قبل أن يولي وجهته لمكان معين فهو يعلم الدقيق والجليل حولها، وربما يعلم أكثر من المستثمرين المحليين أنفسهم.

وبالتالي ما الذي يدعوه للاستثمار في مصر؟ أو أية دولة أخرى؟ وعلى أية أسس يتخذ قراره بالنزوح من عدمه إلى هذه الدولة أو تلك؟

1- مستوى الأمان والاضطرابات المحلية والإقليمية: احتلت مصر المركز 143 من بين 162 دولة في مؤشر السلام العالمي الصادر في شهر يونيو الماضي، والذي يصدره معهد الاقتصاد والسلام IEP، وهو دراسة لأكثر وأقل الدول أمانًا وسلمًا في العالم، ويتم ترتيب الدول الأكثر والأقل أمانًا وفقًا لحالة العنف والصراعات وعدم الاستقرار(1).

2- معدل الشفافية: ذكرت منظمة الشفافية الدولية المعنية بالفساد في تقريرها السنوي في شهر ديسمبر الماضي أن مصر احتلت المرتبة 94 من بين 175 دولة شملها المؤشر، وجدير بالذكر أن هذا المؤشر يحلل إساءة استخدام السلطة والتعاملات السرية والرشوة في القطاع الحكومي للدولة (2).

3- درجة البيروقراطية الحكومية والقوانين المنظمة للاستثمار: لا شك أن مصر من أكثر الدول التي تعاني من البيروقراطية في الجهاز الإداري للدولة، فهناك أكثر من 100 هيئة حكومية تتولى الإجراءات الخاصة بالحصول على التراخيص، بالإضافة إلى الكم الهائل من القوانين واللوائح المنظمة للاستثمار وتسجيل الشركات ومزاولة أعمالها.

وإن كان قانون الاستثمار الجديد قد قلص بعض الشيء من هذا الإرث الذي يقف حائل أمام المستثمرين، إلا أنه لم يصل إلى المستوى المطلوب بعد.

4- وضع المنظومة الضريبية والجمركية في الدولة: لا يخفى على أحد أن المنظومة الضريبية والجمركية في مصر تحتاج إلى إصلاح وإعادة هيكلة، بل إن النظام الضريبي والجمركي المصري يعتبر من أكبر المعوقات أمام الاستثمار الأجنبي الحقيقي، نظرًا لكم المشاكل الموجودة في هذا القطاع، وكم الغموض الذي يحيط به.

5- وضع البنية التحتية للدولة: تشهد البينة التحتية في مصر تدهورًا ملحوظًا، وعلى جميع الأصعدة سواء المتعلق منها بالكهرباء أو المياه أو الصرف الصحي أو الأبنية التعليمية، وكذلك شبكات الطرق والنقل، حيث احتلت مصر المرتبة 122 من أصل 144 دولة في جودة الطرق بحسب تقرير التنافسية العالمي الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي دافوس للعام 2013 – 2014 (3). كذلك البنية التحتية للاتصالات والإنترنت؛ حيث تحتل مصر من حيث جودة الإنترنت المرتبة 115 من بين 148 دولة، وهذا الترتيب كارثي بالتأكيد لدولة تريد النهوض.

6- وضع العمالة المدربة ورأس المال البشري: جاءت مصر في الترتيب 111 بين 122 دولة على مستوى العالم في مؤشر رأس المال البشري الذي أصدره المنتدى الاقتصادي العالمي 2013- 2014، وجدير بالذكر أن هذا المؤشر يقيس تطوير وتوزيع العمالة المدربة والسليمة وفق 4 معايير رئيسية، وهي: التعليم والصحة والرعاية وتوظيف القوة العاملة وتمكين البيئة (4).

– وكنتيجة طبيعية لهذه الأسباب وغيرها احتلت مصر المرتبة الـ7 في قائمة البلدان المستقبلة للاستثمارات الأجنبية المباشرة في القارة الأفريقية وفقًا لما ورد في تقرير الاستثمار العالمي 2013 الذي ينشره مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “الأونكتاد UNCTAD”(5).

بمعنى أن المستثمر الأجنبي يفضل الذهاب إلى 6 دول أفريقية أولًا قبل أن يفكر في الذهاب للاستثمار في مصر.

– وبالتالي إذا أرادت الدولة أن تجذب رؤوس الأموال الأجنبية للاستثمار الحقيقي وفقًا للتوطئة التي في صدر المقال؛ ومن ثم إحداث تنمية اقتصادية واجتماعية حقيقية وارتفاع في معدل النمو؛ فيجب عليها إزالة المعوقات السابقة أو على الأقل البدء في إزالتها بشكل جدي، لتجد بعدها المستثمر هو من يطرق الباب ويسعى للاستثمار في مصر.

أما إذا أرادت غير ذلك، فعليها بالضجيج وإحداث الجلبة، ولن يلتفت إليها سوى مرتزقة الرأسمالية العالمية، وأصحاب المصالح المشبوهة، والمتاجرين بمقدرات هذا البلد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد