كثر الحديث مؤخرا عن (ظاهرة إلحاد) يعاني منها المجتمع المصري والمجتمع العربي، وبالرجوع إلى الإحصاءات والاستطلاعات المتوفرة عن الموضوع  ـ مع الوضع في الاعتبار عدم تطور آلية الاحصاء في عالمنا العربي بصورة كافية، وحساسية القضية في ظل مجتمع يطلق عليه متدين بطبعه مسلميه ومسيحييه ـ يظهر أن عدد الملحدين في مصر (866)، أي نسبة (0.00001%) وفق أحدث إحصائية لـ(مرصد الفتاوى التكفيرية) التابع لدار الإفتاء المصرية. على أن هناك دراسات أخرى أقدم نسبيا تقدر النسبة بـ(3%) في مصر، (5 – 9%) في السعودية، بمعنى أن بين كل مائة إنسان سعودي تسعة ملحدين!! وهي نسب مبالغ فيها إلى حد كبير (على حسب المشاهدة).

 

كان الإلحاد فيما مضى يطلق في تراثنا الإسلامي على ألوان مختلفة من الانحراف عن الدين الصحيح، وفق المعنى اللغوي للكلمة: الميل والعدول عن الشيء.

 

واصطلاحا قال ابن عابدين: الإلحاد في الدين: هو الميل عن الشرع القويم إلى جهة من جهات الكفر.

 

فأي انحراف عن الدين يعتبر نوعا من الإلحاد في الاصطلاح الإسلامي القديم. أما في الاصطلاح الحديث، فالإلحاد هو: إنكار وجود الإله.

 

ولم تعرف البشرية ظهورا كبيرا للإلحاد كمذهب اعتقادي، حتى ظهور الاتحاد السوفيتي إلى الوجود. اختلفت البشرية من قديم حول ماهية الإله المعبود، هل هو واحد أو اثنين أو المئات والآلاف من الآلهة؟ هل هو الشمس والقمر، أو الحجر والشجر، أو هو الإله الواحد الذي بعث الرسل من أجل دعوة الناس إليه؟ لكنها لم تختلف اختلافا يذكر حول وجوده من عدمه.

 

وبمقتضى الاصطلاح الحديث، ليس كل كفر إلحاد، وليس كل انحراف عن الدين كذلك، ومن ثم فالإلحاد: ليس إنكار معلوم من الدين بالضرورة، ولا إنكار حجية السنة، ولا نفي الحدود الشرعية، ولا رد بعض الأحاديث الصحيحة أو حتى المتواترة أو التوقف فيها، أو عدم الاعتقاد في صلاحية الشريعة للعصر، أو مرجعية الإسلام في المجالات المختلفة ومنها المجال السياسي. كما أنه بالطبع ليس ضعف التدين، ولا عدم تأدية الفرائض الدينية، ولا ارتكاب الكبائر، ولا التخلي على الانتماء للفكر الإسلامي، أو حتى الكفر بالمشروع الإسلامي.

 

بل لا يمكن اعتبار مرحلة الشك، والبحث عن اليقين، ومراجعة الاعتقادات الدينية: نوعا من الإلحاد، فقد مر بها عدد من علماء المسلمين قديما وحديثا. حتى نتبين إلى أي شاطئ تصل هذه المرحلة بصاحبها؛ الإيمان عن بينة، أو إنكار وجود الله.

 

على أننا إذا أحببنا أن نقارن بين الإلحاد كظاهرة ثبوتها مظنون في عالمنا العربي، وانطلقنا إلى ظواهر أخرى ثبوتها قطعي، كظاهرة الاستبداد التي ترزح تحتها البلاد العربية بأغلبيتها العظمى، وظاهرة الفساد التي يقدر حجمها المنظور في مصر بـ(200) مليار جنيه سنويا، وظاهرة الاعتقال السياسي التي يبلغ عدد المعتقلين السياسيين في مصر نحو (50000) إنسان، أو ظاهرة الفقر التي تطال ربع سكان العالم العربي، و ظاهرة اللاجئين التي زاد عدد لاجئي سوريا وحدها عن أربعة ملايين إنسان.

 

يصبح الاهتمام بظاهرة الإلحاد نوع من الترف، أو محاولة ذكية من السلطة لصرف الانتباه عن القضايا المصيرية التي تؤرق مجتمعاتنا إلى قضايا هامشية أخرى، ويتمثل ذلك في استضافة برامج إعلامية جماهيرية لملحدين، وتحذير شيخ الأزهر من انتشار الإلحاد عام 2014م، وفي تعليق (المشير) الذي يشغل منصب رئيس أكبر دولة عربية: (ألحدوا بس مخرجوش من الدين، بس زعلانين من ربنا)!

 

لا أقصد بالطبع التهوين من الظاهرة، أو صرف اهتمام المهتمين بمواجهتها قبل أن تستفحل، وتقديم الاجابات المناسبة لشباب حائر، والرد على الشبهات المثارة، وإنما قصدت وضع القضية في حجمها الحقيقي، وعدم خلطها بغيرها ليسهل معالجتها، وعدم المبالغة في الخوف على المجتمعات المسلمة منها، فالمجتمع الغربي، على رغم ما به، لا يزال في أغلبيته مؤمن بالمسيحية دينا، والأغلبية العظمى من سكان العالم لا تزال مؤمنة بدين، أيا كان هذا الدين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد