من المسائل الشائعة جدًّا عندما يتم طرح موضوع الفلسفة في أي نقاش شبابي هيَ كونها مصدرًا أو سبيلًا لإلحاد مشتغليها. وأعتقد أن السؤال البديهي الذي يُفترض أن يحضر في ذهن القارئ عند قراءته لهذه الكلمات هي: ولكن ما هيَ الفلسفة أصلًا؟

يعد تعريف الفلسفة أحد المشاكل الفلسفية. لأن لكل فيلسوف نظرته الخاصة ولكل منهم منهجه في التعامل مع المشاكل (المخاور الفلسفية كما سنبين لكم) فللفلسفة تعريفات كثيرة ومتنوعة وقد تتعارض فيما بينها (وأنا هنا لا أدعي أنني ملمُّ بها) ولكن بشكل ما يمكننا أن نقول إنها تتمثل في ثلاثة محاور رئيسة.

المحور الأول هو الأنطولوجية (نظرية الوجود) وهي على حد فهمي تختص بمحاولة الإجابة عن طبيعة أو ماهية الكون. مثل: هل لهذا الكون خالق؟ أم انه نتاج لمجموعة من المصادفات البيولوجية على مدار مليارات السنين (كما يدعي الملحدون)؟

والمحور الثاني هي الأبستمولوجية (أي نظرية المعرفة) وهي تتعلق بمحاولة الإجابة عن بعض التساؤلات المحورية المتعلقة بماهية الطرق التي تؤدي إلى المعرفة أو ماهيّة الدلالة الخاصة بكلمة المعرفة في المقام الأول، مثل: هل المعرفة يقينية أم ظنية؟ وهل هناك حقائق مطلقة أم أن كل الحقائق نسبية (كما يدعي الملحدون أيضًا)؟ ولكن كيف تعرف أنك تعرف؟

والمحور الثالث هوَ المحور الإكسيمولوجي (أي النظرية الأخلاقية) وهذا المحور يتعلق بالأسئلة المتعلق بالقيم والأخلاق. مثل: ما الفعل الحسن؟ وما هيَ المعايير الضابطة لهذا الفعل؟ وما هي الأفعال السيئة؟ وكيف نحكم عليها ما إذا كانت سيئة أم لا؟ وكل هذه التساؤلات.

حسنًا، كانت هذه المقدمة ضرورية للانتقال إلى السؤال التالي: هل أنا كمسلم في حاجة للإجابة عن كل هذه التساؤلات (الوجودية، والمعرفية، والأخلاقية)؟

في البداية لابد أن تعلم. أن دينك قد جاوبك على معظم هذه التسائلات تحديدًا في المسائل الوجودية والأخلاقية، والمعرفية أيضًا إلى حد كبير. ولذلك فالمرء عند قراءته للفلسفة فهؤلاء يبحث عن إجابات متعلقة بماهية الوجود او ماهية الخلق فهذه التساؤلات إجابة الإسلام عنها بالفعل. ولكن السبب في نظري الذي يجعل دراسة الفلسفة أمرًا مهمًّا، خصوصًا في واقعنا المعاصر.

إنّ هذه الفلسفات هي التي شكلت الوعي الغربي والذي نجد نفسنا محاطين بهِ في مختلف الجوانب الحياتية . ولذلك فدراستنا للفكر الغربي عمومًا قد تمكننا من أن نفهم هذه العقلية بشكل أفضل وأن نعرف كيف يمكن أن نتعاطى معها بشكل أفضل. وهذا ليس أمرًا غريبًا. فالغرب قاموا بدراسة العقلية الإسلامية فيما يعرف بالاستشراق. بحيث يتمكن من أن يفرض سيطرته الفكرية وأن يحد من أثر الإسلام في حياة مجتمعاته(وهذا على حد علمي وفهمي لماهية الاستشراق والله أعلم). فالمرء يتمنى أنه لم يكن مطالبًا بدراسة هذه المسائل وأن يركز بدلًا عن دراسة دينه. ولكنّ واقع انهزامنا الآن وتشربنا للعديد من الثقافات والعادات غير الإسلامية فرض على المرء ذلك.

ونعود إلى موضوع المقال الرئيس هل: اشتغالك بالفلسفة سيؤدي ضرورة إلى الإلحاد؟ الجواب عن ذلك يتمثل في شقين. الأوّل أن دراستك لأي شيء بدون منهجية صحيحة قد يؤدي إلى نتائج لا تحمد عقباها. وكون أن هناك بعض المفكرين أو الفلاسفة الذين ألحدوا بعد تعمقهم في الدراسات الفلسفية لا يعني ضرورة أن كل مشتغلٍ بها سيؤول بهِ إلى نفس الحال. فهناك غيرهم أيضًا من درس الفلسفة ونصرَ الإسلام بدراسته لها: أمثال عبد الوهاب المسيري، ومالك بن النبي، ومحمد إقبال، وطيب أبو عزة، وطه عبد الرحمن… وغيرهم كثير. فهؤلاء قاموا بدراسة الفكر الغربي، ولكن بهدف تقويمه ونقده ومعرفة ما الذي يمكن الاستفادة منه، وما الذي يفترض بنا الابتعاد عنه. والشق الثاني هوَ ضرورة أن تؤسس معرفتك الإسلامية أولًا قبل الخوض في أي شيء،

وهذا ينطبق على مختلف المجالات وليست الفلسفة فقط. ففي علم النفس على سبيل المثال هناك بعض المفاهيم التي قد تتعارض بشكل كبير مع تصور الإسلام لماهية النفس. لذلك يفترض في نظري أن يلمّ القارئ ببعض الجوانب الأساسية في الثقافية الإسلامية قبل خوضه في أي علم من العلوم، وتحديدًا عند دراسته للفلسفة. وأن يبدأ بالكتب التي تتحدث عن الفلسفة، ولكن من منظور إسلامي بحيث يعطيه الكتاب انذارً لمواطن الشبهات.

وفي النهاية هذه وجهة نظر شخصية، ولا تنبع من شخص ملمْ فعلًا بهذا الحقل، ولكنه مجرد هاو. ولذلك فما قلته الآن قابل للمراجعة والنقد، وشكرًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد