تاريخ تركيا الأليم وما تم خلاله من محاولات تجريف المرجعية الإسلامية لحاضرة الخلافة العثمانية، مع تكالب أوروبا (الصليبية لا ننسى!) على هذا الشعب التركي ذي الأغلبية المسلمة المتدينة، إضافة إلى الانهيار الاقتصادي والتفكك المجتمعي وظروف أخرى يطول ذكرها، جعلت مَن يريد أن يعالج تلك الأوضاع بالدواء الإسلامي أن يتحرك في أضيق الحدود وبشكل ماكر يتسم بالدهاء الشديد، مع مراعاة عدم مخالفة الشريعة الإسلامية (قدر المستطاع)، عملًا بقول الله تعالى: {لا يُكلفُ اللهُ نفسًا إلا وُسعَها}.

 

ومن ثَم جاء إسلاميو تركيا ليفعلوا ذلك، وعلى رأسهم الآن بعد سلسلة من التضييقات رئيس تركيا أردوغان الذي تم اعتقاله قبل ذلك بسبب قوله في مؤتمر جماهيري:

مساجدنا ثكناتنا
قبابنا خوذاتنا
مآذننا حرابنا
والمصلون جنودنا
هذا الجيش المقدس يحرس ديننا!

ويليه أوغلو رئيس وزراء تركيا وداهيتها، والذي عندما أطلقوا على حزب العدالة والتنمية لقب (العثمانيين الجدد) قال:

“إنهم يقولون هم العثمانيون الجدد، نعم نحن العثمانيون الجدد!”.

والعلمانيون في تركيا دومًا يهاجمون حزب العدالة والتنمية ويؤكدون أنه إسلامي، ويسعى بالتدريج لإعادة المظاهر الإسلامية وأسلمة تركيا.

 

وهذه هي التهمة الأولى التي يحارب بها العلمانيون العدالة والتنمية.

يغفل البعض هذه الحقائق المؤثرة بشكل كبير في تكوين تصور عن أردوغان وحزبه، كقول بعضهم بـ”طاغوتية” أردوغان وحزبه! وأن تركيا تحارب الإسلام والمسلمين! ويستدلون على ذلك بمشاركة تركيا في قوات تحالف الناتو في الحرب على أفغانستان.

ونستل هذه المسألة لتكون محور كلامنا كمثال على تعقد الأوضاع، وبهذا الصدد أسوق بعض المعلومات:

أولًا:

هل تعلم أن حزب العدالة والتنمية قد وصل إلى الحكم عام 2002، وأن أردوغان تولى رئاسة الوزراء في مارس 2003؟ وأن الحرب على أفغانستان بدأت عام 2001؟ وأن تركيا عضوة بحلف الناتو منذ الخمسينيات؟!

بالطبع نعرف جميعًا رئيس الوزراء التركي عدنان مندريس، والذي نعتقد أنه مصلح عظيم وشهيد من شهداء التاريخ الإسلامي المعاصر! إنه نفسه مندريس الذي أدخل تركيا في حلف الناتو لمواجهة الاتحاد السوفيتي أو العدو اللدود السابق للدولة العثمانية!

لم يكن مندريس إسلاميًّا، بل كان عضوًا في حزب الشعب الجمهوري الذي أسسه أتاتورك ونائبًا عنه في البرلمان، لكنه انفصل عنه وكون حزبًا جديدًا وتمكن عام 1950 من الفوز في الانتخابات البرلمانية وتشكيل الحكومة، وكانت تلك أول خطوة وضعت حدًّا لهيمنة حزب أتاتورك العلماني المتعصب الذي حكم تركيا منذ إسقاط الخلافة العثمانية.

أعاد مندريس الأذان باللغة العربية، وأدخل الدروس الدينية إلى المدارس العامة، وفتح أول معهد ديني عالٍ إلى جانب مراكز تعليم القرآن الكريم، كما قام بحملة تنمية شاملة في تركيا شملت تطوير الزراعة وافتتاح المصانع وتشييد الطرقات والجسور والمدارس والجامعات.

لم يعلن مندريس في أي من هذه الإجراءات أنه كان إسلاميًّا، ومع ذلك وفي عام 1960 تحرك الجيش ليقوم بانقلاب، وحكم بالإعدام على مندريس، وكانت التهمة هي سعيهم لقلب النظام العلماني وتأسيس دولة دينية! [انظر مقال: عدنان مندريس، الجزيرة نت 13-11-2006]
هكذا تسير المجريات التركية!

 

ثانيًا:
هل تعلم أن القوات التركية لا تشارك البتة في أعمال قتالية من خلال مهامها في حلف الناتو؟

بل وأكد أردوغان على أن الجيش التركي لن يشارك في أي عمليات قتالية ضد طالبان أو أي جهة أخرى في أفغانستان! [القبس، 6-12-2009] وقد قال ذلك قبل ساعات من لقائه بأوباما!

وقال الجنرال ميتين جوراك المتحدث الرسمي للجيش التركي: مهمتنا ضمان الأمن في كابول ومحيطها والجنود الأتراك لن يشاركوا خصوصًا في مكافحة الإرهاب ضد تنظيم القاعدة وطالبان! [إيلاف، 2-10-2009]

ثالثًا:

هل تعلم أن عدد قوات تركيا في أفغانستان سبعمائة؟ ثم زادوا ووصلوا إلى ألف وسبعمائة فقط، ومهامها تنحصر في كابول فقط؟ وهذه المهام هي حفظ الأمن الداخلي والقيام بأنشطة مجتمعية وطبية وما شابه ذلك (ودور آخر مشين وهو تدريب الشرطة الأفغانية العميلة).

 

رابعًا:
هل تعلم – كما جاء في واشنطن بوست- أن تركيا قاومت أمريكا كثيرًا حتى لا تزيد عدد قواتها؟ وقال أردوغان حينها إن تركيا فعلت ما بوسعها ولن تزيد قواتها؟

ويقول أيدمير إرمان (المنسق الخاص لتركيا بشأن أفغانستان خلال الفترة 1991 – 2003):

“أرسلت تركيا القوات إلى أفغانستان عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر شريطة ألا يشاركوا في العمليات القتالية، وعلى الرغم من الضغوط من جانب الحلفاء، تمسكت تركيا تمامًا بهذه السياسة، وكان حضورنا في أفغانستان سواء العسكري أو المدني قائمًا على معاملة الشعب بكل احترام وعلى أنهم بشر مثلنا، ولم يكن قائمًا على النظر إليهم من موقع السلطة أو الغطرسة الاستعمارية كقوة محتلة.

وصدرت أوامر صارمة للقوات التركية التي تم نشرها في كابل بمعاملة الأفغان باحترام، ولم تقتحم هذه القوات المنازل قط، وتتم معظم الدوريات سيرًا على الأقدام وليس في عربات مدرعة، ولا تضع القوات نظارات شمسية وذلك للمحافظة على التواصل بالعيون مع الآخرين، وبالنسبة للقوات التركية، يعتبر مس النساء من المحظورات، ويخدم العاملون في المجال الطبي الشعب الأفغاني، فضلًا عن القوات الخاصة بهم، لذا أسهمت القوات التركية في تحقيق الأمن في كابل، بل وأصبحت جزءًا طبيعيًّا من الحياة اليومية الأفغانية”. [جريدة الشرق الأوسط، 14-2-2010]

خامسًا:

هل تعلم أن طالبان عندما قبضت على أتراك ضمن أحد عشر شخصًا تابعين للناتو في أفغانستان حققوا معهم ثم أطلقوا سراحهم؟

 

وقال ذبيح الله مجاهد المتحدث باسم طالبان حينها: “جرى إطلاق سراح كافة الأسرى الأتراك أمس في خطوة ودية وإسلامية وإنسانية ومراعاة لعلاقاتنا الطيبة مع تركيا كأمة إسلامية”!

والعجيب أن الأتراك كان معهم طياران اثنان من قرغزستان وروسيا ومترجم أفغاني، فتم إطلاق الأتراك فقط! وقال مجاهد: “أعطينا الأولوية للتحقيق مع الأتراك ولإطلاق سراحهم”، مؤكدًا أن الطيارين والمترجم ما زالوا في الأسر! [وكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ – مايو 2013)].

سادسًا:

هناك فتوى صادرة عن بعض أهل العلم بجواز المشاركة (عند الاضطرار) في أشباه هذا التحالف، ولكن بشرط: استحضار نية إحقاق الحق وإبطال الباطل خلال المشاركة، ونية منع العدوان على الأبرياء أو الوصول لمرتكبي هذا العدوان لتقديمهم للعدالة، مع ضرورة الابتعاد بقدر الإمكان عن القتل المباشر والتواجد في أقسام الخدمات، أو في أي مكان بعيدًا عن استخدام السلاح ضد أخيه المسلم.

وأنا لا أوافق على هذا الكلام، ولكني أريد أن أثبت أن حكومة تركيا تتبع في المجمل (أهل الدين وفتاواهم)، ويظهر هذا مما عرضناه من كيفية مشاركة القوات التركية. وهذا يجعلنا وإن رفضنا مشاركة تركيا في أفغانستان أن نعذرهم ولو قليلًا وأن لا نساويهم بأمريكا مثلًا كما يتفوه بعض الإخوة!

سابعًا: في التحالف الدولي (الصليبي) الحالي على العراق والشام، رفضت تركيا – بعد أن اشتد ساعد حكومتها خلال العشرة أعوام السابقة- المشاركة في التحالف بأي شكل! وأصدرت تصريحات إعجازية تعلم أن التحالف سيرفضها، كتصريحها بأنها ستشارك في حال كون التدخل يستهدف فيما يستهدف إسقاط بشار الأسد، وهو الأمر المعروف صعوبة موافقة التحالف عليه، ورفضت التدخل العسكري في عين العرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية، وقالت ينبغي أن يكون هناك تدخل بري، وهو الأمر الذي تتأكد تركيا من رعب التحالف منه!

وعندما صدرت تصريحات من مستشارة الأمن القومي الأمريكي ووزير الدفاع الأمريكي بأن تركيا وافقت على السماح لقوات التحالف باستخدام قواعدها لاستهداف “الإرهاب” في العراق وسوريا، سارعت تركيا بنفي هذا ببيان رسمي صادر عن مكتب رئيس الوزراء أوغلو. [رويترز، 13-10-2014]

ما أود أن أسوقه كثيرًا ولكني أخشى الإطالة والإملال، ولكننا كمسلمين نود لو أن تركيا لا تشارك ولا قيد أنملة في أي نشاط ضد المسلمين، ولو بالكلمة! ولو بالتصريحات المائعة! ولكننا لا بد أن نضع مواقفها في سياقها، ولا بد أن نستصحب مدى أهمية دورها الحالي سواء على صعيد الوضع الإسلامي في تركيا داخليًّا، أو على مستوى الوضع الإسلامي خارجيًّا.

فلولا حكومة تركيا بعد الله تعالى كيف سيكون مصير الشعب السوري المجاهد؟ العلمانيون هناك ينتقدون الحكومة لأنها تتدخل في الشأن السوري، فما بالكم لو تمكنوا؟ ما مصير اثنين مليون لاجئ سوري؟ وما مصير المجاهدين بالداخل السوري؟

سيكون بلا شك هناك حصار وتضييق خناق لأبعد الحدود بحجة أنه أمر داخلي سوري! بعيدًا عن روح التكافل الإسلامي. وهكذا في كثير من القضايا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد