وهم الحرية!

الحرية والأحرار وتَحطيم القيود وأزالة السلاسل والكثير من الشعارات التي نَشهدها اليوم مِثلما شَهدتها العصور التاريخية لَيست أكثر من جُزئية واضحة من مفهوم الحرية المُطلقة، وباقي الأجزاء عبارة عن وهم مُطلق لا أكثر ولا أقل.

لا أحد يمتلك الحرية المُطلقة ولَمّ يمتلكها أحد في التاريخ، بَل العبودية مُتأصلة في الإنسان بشكلٍ موَّثق، وكُل جزء مِن تِلك الذات البَشرية يَحمل أحد مناحي العبودية المُتجذرة بِه، ولكن يبقى الاختلاف في مراحل العبودية المتفاوتة، ولهذا نَحن عِندما نظّن أنّنا نطلبُ الحرية يَكون في الحقيقة أنّنا نطلب درجة أقل من العبودية لا أكثر، حتى وبتعبير أكثر قسوّة قليلًا أنت لا تَملك أرادة حُرة في كُل اختياراتِك وفي إيمانك بالمُعتقدات الفَلسفية أو الدينية أو الفِكرية، بَل الإيمان نتيجة ولَم يكن اختيارًا يومًا.

لأعرف أحد أشكال الحرية المُطلقة على الشكل التالي وليكّن باب الدخول إلى فكرة المقال الأساسية؛ الحرية هي أن لا تُحب شخصًا ما ولا تَتعلق بِه وتَلتزم بإرضائه وتَضعه في حساباتك المَعيشية وتَلتزم بأيّ شيء تجاه ذاك الشَخص، ولا حتى حيوان أليف ولا نبتة في جوارِ مَنزلك ولا فِكرة مُقدسة ولا انتماء بحدودٍ تَحّدُ مِن حُريتك، وإن خالفت أحد الشروط السابقة فأنت لست حرًا، بل تعيش أحد أنواع العبودية وهو الحُب.

وإن نَفذت الشروط المُسبقة، فأنت تعيش ما هو أسوأ من العبودية، وهُنا أقصد العُزلة التامة.

لنعد إلى فكرة العبودية تَحت رحمة الحُب؛ الحب بكافة أشكاله يَربط الأنسان بشكل موّثق بكيان آخر ليَضع حدود لحُريته المُطلقة ويَصوغ القرارات الخاصة بما يَصّب في المصلحة المُشتركة بينه وبَين ذلك الكيان، وأقرب مثال نأخذه على ذلك هو العلاقة الغرامية أو الزواج أو الصداقة، حتى التي تضَّع عليك حدود مُعينة في تصرفاتك خارج العلاقة بشكل أو بآخر، وهو ما يُسمى الوفاء، أو الالتزام أو المسؤولية تجاه الكيان الآخر، وهذا لا يختلف عن علاقة الإنسان بالحيوان الأليف الذي في المنزل أو الزهرة التي في الحَديقة، بل الاثنين يحتاجون إلى رعاية مُعينة تضع حدود على حُريتك في الحياة لو بَسيطة ولا تُدرك وتخاف من فقدانهم أو خسارتهم وتتحمل مسؤوليتهم بشكلٍ ما.

ما أقصده هُنا لَيس إظهار أنّ العلاقات المُندرجة تحت اسم الحُب هي مُنتهِّك صريح لِلحرية، أو أنها أحد أشكال العبودية، مع أنه بعض وجهات النظر الفلسفية تَقول إن الحُب من أقصى درجات العبودية، لكن بعيدًا عَن ذلك ما أقصده هو توضيح أن أبسط العلاقات في حياتك قَد تضع حدود مشروعة على حريتك المُطلقة، وتَشكّل ردة فعل بداخلك تَجعلك مُقيد في حياتك الاجتماعية بشكل متفاوت، وطبعًا المُقارنة بين الرجل المتزوج والرجل العازب واضحة وصريحة، وبين المرأة الأم والمرأة التي لم تُنجب بعد واضحة وصريحة أيضًا، والأمثلة لا تنتهي عن درجات مُتفاوتة من الحرية المُقيدة في العلاقات المندرجة تَحت اسم الحُب، وحتى أسمى وأقوى علاقات الحب مثل الأم والأطفال.

هذا الباب هو للدخول لعالم الحُرية الغير مشروع في مرحلتها الأولى والواضحة، وهو ما يُسمى التَطبيع الاجتماعي والسياسي والطبقي والفكري، وسوف تختلف الأمثلة عن مثال عبودية الحُب، هُنا نحن لا نَختار ولا نُقَرّر ولا نَستمتع بالمشاعر أو نأخذ مقابل لعبوديتنا، بَل دائمًا نَهرب من كُل شيء لنُحرر أنفسنا.

من مِنّا ولد حرًا؟

عند ولادتك سوف يُكلف الأمر خمس دقائق لتحديد هويتك وقوميتك وديانتك وجنسيتك، ولَن أعتبر هذا تَعديًا على الحُرية كونه تحصيل حاصل نوعًا ما.

لكن لأيّة دَرجة نحن نُعاني مِن العبودية؟

بالابتعاد عن دوائر الصح والخطأ والتفكير بالعبودية في تعريفها المُباشر دون تأويل نَعلم أنها الإجبار على دوائر فكرية واجتماعية مُعينة دون إمكانية الخروج مِنها أو محاولة استئصال فِكر مُغاير لها بأيّ شكل من الأشكال، ويبدأ الأمر من خلال سَيطرة الثقافة السائدة في أيّ مُجتمع كان، وهُنا يجب الأشارة أن الجميع ضحايا لتِلك الثقافة السائدة طالما أنهم ينشأون داخل مُجتمع مُغلق دون أيّ نوع من الأختلاط والمؤثرات الخارجية، وهُنا تتجسد لدينا معنى الدكتاتورية السياسية والدينية والشعبية.

وتُبنى تِلك الثقافة على أربعة مُسببات لها، وهُي العبودية الصادرة من الدين والثقافة السائدة، العبودية الصادرة من السياسة والسلطة، العبودية الصادرة من المال، العبودية الصادرة من الحب.

لنأخذ المثال التالي، ومن ثم نقوم بإسقاطها واحدة تلوَّ الأخرى، ونرى هل سوف تَتم الحُرية المُطلقة أو لا!

فرضًا عِند نشوء أيّ أنسان في ثقافة اجتماعية تحمل أربعة شعارات كالتالي:

_ المرأة في مرتبة دونية منك (الدين والمُجتمع).

_ الشخصية السياسية فلان هو الحل الأمثل لإعمار الدولة (سياسة وسُلطة)

_ من يملك رصيدًا بنكيًا أكبر هو من يستحق الاحترام أكثر (المال).

_ الانقياد للفكر التربوي المُقدم من العائلة هو الأصح دائمًا لأنهم يريدون مصلحتك (الحب).

سوف ينشأ لدينا إنسان يعتبر المرأة أقل منه، وفي درجة دونية، ويَتسَّلط عليها، ويعتبر الشخصية فلان هو رمز الإعمار للبلاد دون أن يفكر هل يستحق ذلك التقديس أو لا، وسوف يحترم صاحب المال الوفير دون أن ينظر إلى مرجعيته الأخلاقية وقيمته الاجتماعية بذاتها، وسوف يَستند إلى أفكار عائلته دون التفكير بصحتها لأن هذا يُمثل له الحب والولاء كَم تَم أدلجته.

ويتخرج من تلك الثقافة ريبوت جامِد للأفكار لا يَملك شيء من المُنطلق الفكري المُستقل، وهُنا يتوجب علينا أن نُسقط عليه مؤثر خارجي مثل دورة تعليمية أو مقال على الشبكة الوهمية جَعله يُفكر ويبحث بكُل شيء أو أي مؤثر لا نمطي يَجعله يُعيد التفكير في المُسلمات التي تلقاها من الثقافة الاجتماعية وحينها وسوف يحدث التالي:

يُهاجَّم من كهنة الدين أو الشيوخ باسم الكُفر أو الإلحاد أو الزندقة، أو حتى يُمكن أن يُعتبر مُختلًا عقليًا بعد أن يساعدهم المُجتمع في ذاك الهجوم من خلال نبذه بكُل الأشكال، وهذا ما سوف يُغير نهج حياته في الكامل، فأمّا أن يَعود إلى المُسلمات، ويَصطنع الإيمان والتَصديق، أو يواجه ردة الفعل الصادرة من خيار العبودية الأول، ولا يَختلف الموضوع كثيرًا عن العبودية السياسية والسلطة.

ولكن ماذا لو أسقطنا القمع الديني والقمع السياسي، وأصبحت الثقافة الاجتماعية الليبرالية تدعم حرية الاعتقاد والانتماء والتعبير؟

 سوف يتبقى لنا عبودية المال وعبودية الحُب، هُنا سوف يُحدد قيمتك الأجتماعية شيء مَفروض عليك وهو المستوى المادي للعائلة التي ولِّدت فيها، وهذا ما سوف يُقلّص فرصتك في التَقدم أو النجاح أو الرفاهية أو اكتساب حقوقك ذاتها وبالتأكيد سوف تَتجه إلى تيار التَخلّص من الحدود المالية التي تَبني حاجِز في حياتك، وإنّ لَم تختر هذا التيار فسوف يسيطر عليك الفُقر أو الجمود في مكانك، دون أيّ نوع من التَنمية طالما أنّ قيمتك مربوطة بشكل موَّثق مع رصيدك البنكي في كثير من المُجتمعات.

ولكن ماذا لو أيضًا أسقطنا الطبقية الماديّة والعبودية للرأسمالية المُستخدمة على الطبقات الأقل منها، وافترضنا أنَّنا وجِدنا في دولة نفذت الاشتراكية بشكل دقيق ليحظى كُل مواطن بدرجة من الرفاهية والحقوق الكاملة ويفتح أمامه باب التنمية والإبداع دون أن يتم استعباده؟

سوف يتبقى هُنا عبودية الحب التي بدأنا بها المقال، والتي أشرت أنه يستحيل التَحرر منها خوفًا من العُزلة التي تُنهك الذات البشرية.

حسنًا أعتذر منك على الإطالة، لكن للأسف ما ذكرته هو مفاهيم العبودية النمطية التي أيضًا أسقاطها في المقال مُجرد افتراض يستحيل الوصول إليه على أرض الواقِع، ولكن يَتم الوصول إلى درجات مُتفاوتة من العبودية به فَقط لا أكثر، والتي تشكل جزئية من مفهوم العبودية الكامل ووهم الحرية المُطلقة:
نحن إضافة إلا كُل ما ذكر عبيد للوَطن والبُقعة الجغرافية التي نولد بِها، وعبيد للأفكار المُحيطة بِنا والتفاصيل الصغيرة في حياة كُل منّا ليبني نَفسه، عبيد للفيسولوجية البشرية التي تَتحكم في سلوكياتك على مرّ الزمن، عبيد للإعلام العالمي، وعبيد للسياسة الدولية العُظمة، ورأس المال العالمي، والمصالح الدولية والتيارات الفكرية المروّجة من قبل السُلطة الحاكمة، حتى أنّنا عبيد لنَظرة الآخرين لنا؛ فالإنسان بطبعه وفي كثير من الأحيان يَبحثُ عن التَميز والتَقدير من المُحيط ولو كان هذا على حساب الاصطناع والابتذال.

والأسوأ أنّنا عبيد أمام الإرادة الحُرة لأنها مُقيدة جدًا، فلا أحد مِنّا يمتلك إرادة حُرة بالكامل، بل إرادة حرة جزئية جدًا إن صَح التَعبير.

منذ فترة قد اجتاح المجتمع العلمي بعض الدراسات عن وهم الإرادة الحرة، وكان أبرزها كتاب سام هاريس: الإرادة الحرة.

الفكرة أن الجميع يتفهم أنه ذو حرية كاملة في اتخاذ القرارات، سواء القرارات الأخلاقية أو المصيرية أو حتى البسيطة مثل شرب فنجال قهوة في الصباح، ولهذا يتردد علينا سؤال غالبًا عند الجلوس مع الأصدقاء: لو عدت في الزمن للوراء ما القرار الذي سوف تغيره؟
للأسف لا أحد يستطيع تغيير شيء، بل كُل قرار صادِر منك مبني على تفاصيل في قمّة الدقة في الجهاز العَصبي والوعي البشري، وهذا عبر تشكل من المحيط والمؤثرات الدقيقة التي لا تَتحكم به.
عندما بدأت في قراءة هذا المقال لَم يكن قرارًا منك بالكامل بأن تكمل القراءة أو لا، بل هُناك الكثير من الركائز التي اعتمد عليها الوعي ليُحدد لك قرارك، وتأكد أنك لن تُقرر ذات القرار في أكثر من تجربة، بل هذا يعتمد على مدى اهتمامك بالموضوع والظروف النَفسية التي أنت بِها عندما شاهدت العنوان على سبيل المثال.
ومن أين ينشأ معيار اهتمامك في عنوان المقال أو لا!
من تجربة سابقة في حياتك أو حوار أو حدث أو تيار جعلك تَهتم في هذا النوع من المقالات.
لكن ما الذي يُحدد التجارب وأنواع الحوار والأحداث!
المُحيط الاجتماعي والثقافة السائدة والمؤثرات الخارجية.

وهلّم جرًا حتى نصل لنُقطة تقول أن كُل ما نحن به الآن، وما يجعلني أكتب الآن على سبيل المثال هو نتيجة تفاصيل صغيرة جدًا تُحدد مدى حريتنا في الإرادة والقرار، ويجب التوضيح لنقطة مهمة جدًا وهي أن ما قدمته من أمثلة بَسيطة للدخول لمرحلة أكثر تَعقيد عَن طريق كتاب – الإرادة الحرة – لسام هاريس، ولهذا سوف أترك في المصادر رابط القراءة للكتاب مع سلسلة مُقدمة من قناة ripples تَشرح الفكرة بالضبط مع تقديم تجارب بُرهانية لاكتمال فهم فكرة وهم الإرادة الحرة.


هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك