عزيزي القارئ قبل أن تطلق عليّ عشرات الأحكام المبنية على اطلاعك على العنوان فقط، والتي تدل على عدم صبرك وتسرعك والتي أكدها الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم كصفة بشرية “خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آَيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ”، هدئ من روعك ودعني أبدأ فكرتي بقول الله تعالى: “قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ”، فالتفكير والتفكر هي عبادة أمرنا الله بها، فالعقل البشري دائمًا في شك، والنفس البشرية في صراع ما بين مرحلتي القوة والضعف خصوصًا إن اشتدت عليها المحن والهموم، محن تضيق على نفس صاحبها وهموم تغرقه في غياهب ظلمات القلب لتغوص في عمق التفكير.

هل الله ظالم؟ سؤال سئل في ذهن أغلبنا وهو في أصعب أوقاته، ليجري بعده نهر من الأسئلة “لماذا يظلمني وأنا عبده؟”، “لماذا فشلت في اختباري المصيري وأنا على حسن عبادته”، “لماذا مات ابني الوحيد وأنا أحبك يا الله “، “لماذا كل هذا الظلم في بلدي؟”، فيسحبنا التيار بعدها لدوامة “لماذا؟” لينحرف الفكر عن فلك العقل والتعقل وتطفئ برودة القلب الحزين نور الطريق.

في الصيف الماضي.. كان صيفًا ساخنًا شديد الحزن على أهلنا في غزة، وكانت مستشفيات إسطنبول تستقبل جرحى أهلنا من القطاع ومن قدر الله عليّ أن دوامة “لماذا” كانت تسيطر على ذهني، ومن خلال تطوعي في المشفى قابلت عددًا من الجرحى وحاج سوري كانوا هم أصحاب قصتي هذه.

 

أنا طفلة يتيمة

سَراء.. فتاة لها من اسمها نصيب، في عمر الزهور، ذو سنوات سبع. خطفت قذيفة المدفعية في فترة الإفطار حياة أبيها الذي حماها من الموت المحتم، فكان الفداء المغمس بطعم الفراق، كنت مع الطاقم عندما رأيتها، كانت تبكي وتصيح على أبيها، قالت كلامًا لامست آذان الجميع “ارفقوا فيي.. أنا صرت يتيمة الآن” ليشتعل السؤال في قلبي مرة أخرى: “لماذا يا رب؟ أنا لا أحاسبك، فمن أنا منك يا رب ألم تقل في كتابك الحكيم “إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا” لكن لماذا هذا الألم للطفلة؟”

وما هي إلا أيام حتى هدأت وهدأ جرح الفراق معها، سألتها إن كانت تشتاق لغزة وتحب العودة إليها، فأجابتني أنها مشتاقة لهناك حتى تزور قبر أبيها، أغريتها بالحياة هنا وأن البقاء في إسطنبول أفضل لها، لترد عليّ بأنها لا تريد أن تترك أرضًا اختارها الله للرباط وأنها في النهاية محظوظة لاستشهاد أبيها فالشهيد يغفر لسبعين من أهله، وما هي إلا لحظات حتى أصبحت تنشد “أن تدخلني ربي الجنة” حينها لمعت بعقلي آيات ربي “وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ “، كأنها تجيب عن تساؤلي السابق.

الحمد لله رب العالمين

شهد.. فتاة ذو سبع سنوات أيضًا، لم تتركها آلة الدمار تهنأ في صيامها فاختطفت أقرب أخواتها لها وجرحت العائلة بالكامل ودخلت هي في غيبوبة وفقدان للذاكرة أيضًا، وكان معها في مشفى إسطنبول أقرب أعمامها، كانت دائمًا موجودة في العناية المشددة مع توقع الأطباء لها بدنو أجلها أو أفضل التوقعات سوءًا كانت بإدخالها مشفى خاص بالطب النفسي إن نجت، لكن ذلك لم يثن العم أن يقبل بالأمر الواقع، بل حاول أن يعرج عليها كل يوم ليكلمها في غيبوبتها محتسبًا عند ربه موقنًا به. وما هي إلا أيام واستيقظت شهد من الغيبوبة، وهذا دفع العم لمحاولة أن يتكلم معها غير مكترث بكل تلك التوقعات السوداء التي تلتف حوله، كان يحاول كل يوم تلقينها سورة الفاتحة حتى تتدرب على الكلام وتتذكر من هي، فكانت المفاجأة أنها قالت “الحمد لله رب العالمين” وأكملت ما تيسر من الفاتحة وسط اندهاش الجميع، وما هي إلا أشهر حتى تعافت شهد ورجعت إلى صفوف الدراسة مرة أخرى لتخطُ خطوة كبيرة في تحقيق حلمها نحو العلم، وكأن الآية الكريمة “إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ” ماثلة أمامي.

زمان كنا نبكي عليكن.. صرنا أمر منكن يا ابني.. راحت حلب

غارق في دوامة تساؤلاتي في الليل، يرن هاتف المشفى، ليطلب شخصًا عربيًّا يجيد التركية ليذهب بسرعة إلى الطابق الثاني من المشفى، مقاطعًا سلسلة من الإجابات الضائعة في متاهات عقلي، مسرعًا إليه كان الحاج مصابًا بالسكتة القلبية التي جاءته بشكل عرضي وسلمه الله من الأسوأ، ومع انتهاء الأسئلة الروتينية التي أجاب عليها الحاج، سألني إن كنت سوريًّا، أجبته بالنفي على ذلك أنني فلسطيني، وما إن سمع بفلسطينيتي حتى غرق الحاج بالبكاء قائلًا: “زمان كنا نبكي عليكن أيام القصف.. الآن صرنا أمر منكن يا ابني.. كل يوم عم ننقصف.. راحت حلب.. الله عالظالم بس.. ذلونا، ذلونا”. لم تسعفني الكلمات حينها، فحاولت تهدئته والتخفيف عنه، وما زال يكلمني عن حلب وأزقتها حتى أشرقت الشمس.

زهقت بدي أمشي

مها فتاة السبع سنوات أيضًا، مصيبتها كبيرة فقد استشهدت نصف عائلتها وهي فقدت القدرة على الحركة بتاتًا، أصيبت بشلل رباعي. “ما تلمسني.. بتوجعني” كانت تعاتبني مها، وتسرد قائلة: “يا الله زهقت بدي أمشي”، وما بين الآلام الجسدية والنفسية التي كانت تطارد مها. كانت تستصرخ من ضياع حلمها المستقبلي، تريد أن تصبح طبيبة، فهي تعترف في قرارة نفسها أنه لا يمكن إكمال حلمها المستقبلي بهذه الحالة، لكن مها احتسبت واستسلمت لله سبحانه وتعالى وتوكلت حتى أصبحت مها الآن قادرة على تحريك أطرافها العلوية، وما زالت مها تصنع من الآلام جسرًا للأمل فلا مستحيل مع اليقين، وكأن الآية الكريمة التي تقول “وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا” تجيب عن ما تفعله مها.

إنا لله وإنا إليه راجعون

إبراهيم ذاك الشاب اليافع، لاعب كرة قدم ماهر، سرقت مدفعية الغدر حلمه، فأوقعته ما بين الحياة والموت، كان أغلب الأحيان ممنوع الاقتراب من غرفته فكان يسير بخطوات متواترة على شعرة معاوية نحو الموت، لا يستطيع أن يتكلم.. أن يأكل.. أن يمشي، يحاول جاهدًا مقارعة ضعفه عسى أن يتغلب عليه ويقترب من حلمه مرة أخرى. كان يتمنى أن يرجع فيه ذاك الوقت قبل القصف حتى يستطيع أن يتلمس كرته مرات ومرات قبل أن تقع تلك الواقعة التي أنهت حلمه، أتردد عليه بين الفينة والأخرى، أشجعه أن يصبر ويقاوم جرحه ليستطيع أن يلعب كرة القدم من جديد، لكن إبراهيم أيقن أن هذه الحياة ما هي إلا “كارت” عبور لحياة أخرى وأن فرصة عودته لكرة القدم شبه معدومة، هي إرادة أرادها الله فيه فأراد لقاء وجه ربه فترجل إبراهيم عن هذه الحياة وإن عِظَمُ الْجَزَاءِ مَع عِظَمِ الْبَلاَءِ. وَإِنَّ اللَّهَ، إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاَهُمْ. فَمَنْ رَضِيَ، فَلَهُ الرِّضَا. وَمَنْ سَخِطَ، فَلَهُ السُّخْطُ، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

ولا يظلم ربك أحدًا

توقفت متاهاتي وتساؤلاتي لتجيب عليها هذه المحطات الخمس، ليرجع العقل يستقر ويسبح بفلك خالقه، ففي هذه الدنيا نسير على نفس الخط بين هذه المحطات، ما بين استقبال ووداع فبين براءة الأطفال إيمان كبير بالخالق، وبين ألم الحاج السوري صبر واحتساب، وبين هذا وذاك يكون القضاء والقدر فنترجل كما فعل إبراهيم.

ولكي نجتاز تلك المحطات علينا بمفتاح الصبر، فالصبر مثل اسمه، مر مذاقه لكن عواقبه أحلى من العسل، فلا تحزن ولا تجزع وأسجد لربك واقترب، وقل:
لبست ثوب الرجا والناس قد رقدوا .. وقمت أشكو إلى مولاي مـا أجـد
وقلـت يـا عُدتي فـي كـل نــائـبــة .. ومن عليه لكشف الضـر أعتمـد
أشـكـو إليك أمـورًا أنـت تـعـلمهـا .. مالي على حملها صبرٌ ولا جلـدُ
وقـد مـددت يـدي بـالـذل مبـتـهـلًا .. إليك يا خير من مُـدتْ إليـه يـد
فـلا تــردَّنـَّهـا يـــا رب خـائــبـــةً .. فبحر جودك يروي كل مـا يـردُ
فأنت في حضرة من قال في كتابه العزيز “وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد