يتعجب الكثيرون في أنحاء العالم حول تعاظم العلاقات المتطورة بين إسرائيل، وبين الدول السنية، وخاصةً شبكة العلاقات العلنية بين إسرائيل والأردن اللتين توجد لإسرائيل معهما علاقات دبلوماسية كاملة، وكذا العلاقات غير الرسمية بين إسرائيل، والسعودية، والإمارات.

يبدو أنه توجد ثلاثة دوافع لهذا التغيير: الأول، هذه دول سُنية تخاف من التعاظم المتصاعد لإيران، التي تقود الكتلة الشيعية في العالم العربي، وتهدد سلامة وأمن الدول السنية. نزاع ديني عتيق قائم بين الأقلية الشيعية، والأغلبية السنية، أقلية تتمتع بوجود قيادة واحدة لها، مستعدة لتستثمر كل ما يلزم لتغير وضع الشيعة في الشرق الأوسط.
هذه القيادة، التي تجلس في طهران، تتصدر جهدًا مخططًا ومركزًا أساسه تمكين الشيعة في اليمن، وفي البحرين، وفي السعودية، وحماية الحكم أو الصدارة الشيعية في العراق، في سوريا، وفي لبنان. والغاية هي خلق تواصل شيعي من طهران عبر بغداد ودمشق وانتهاءً ببيروت.

وفي الوقت ذاته تحاول طهران المس بالهيمنة السُنية في الجانب العربي من الخليج الذي بين شبه الجزيرة العربية وإيران، الخليج العربي، في الجانب العربي من الخليج هناك الإمارات الخليجية: السعودية، ذات الأقلية الشيعية في مناطق النفط؛ البحرين، التي شهدت محاولة انقلاب شيعية؛ واليمن، حيث تقاتل السعودية إلى جانب الأغلبية السنية ضد الأقلية الحوثية، المرتبطة بإيران.

كما أن للصراع الشيعي السني لونًا وطنيًّا، إذ لا يمكن تجاهل أن هذا جهد إيراني لتصعيد النفوذ في الدول التي هي كلها عربية. وصدى لهذا الصراع القومي يمكن أن نجده في الخلافات الشيعية الداخلية، ولا سيما في العراق، حيث تقع مدينة النجف، التي كانت ذات مرة المدينة الأهم للشيعة، وانتزعت منها اليوم صدارتها لتأخذها منها مدينة قم الإيرانية.

الحفاظ على الزخم

الدافع الثاني الذي يحرك مخاوف الدول السنية كلها هو تهديد الأفكار التكفيرية التي يتصدرها تنظيم «داعش». فالتنظيم يعمل اليوم في سيناء وفي ليبيا، بل وله فروع في أفريقيا وفي أوروبا، مثلما تشهد أعمال الإرهاب المتواترة.

فاتساع حجم أعمال التنظيم يشكل تهديدًا على الدول السنية، إذ هي كلها في نظره عدو أول. في مصر هو عدو عمليًّا بسبب انتشاره في أجزاء من سيناء وارتباطه بـ«حماس»، الفرع الفلسطيني لـ«الإخوان المسلمين» في غزة، أعداء  النظام المصري الحالي. في الأردن وفي السعودية يهدد «داعش» النظام من الداخل، وفي كلتيهما توجد أجواء متعاطفة مع التنظيم في أجزاء مختلفة من السكان. وعليه، فإنه إذا كان التحالف الذي يعمل ضد التنظيم سينجح في التقليص الشديد لمنطقة سيطرته في العراق، وفي سوريا، فما تزال الفكرة التي يمثلها التنظيم خطيرة على الدول السنية.
أما الدافع الثالث فينبع من الإحساس بأن الولايات المتحدة هجرت أصدقاءها في المنطقة في لحظة الاختبار، وفي نيتها أن تقلص مساعداتها لهم. في السعودية وفي الخليج ينبع الإحباط من أنها ترى الاتفاق النووي مع إيران كتخلي أمريكي عن الأنظمة الخليجية. وقد خاب أملها من سلوك الولايات المتحدة تجاه مبارك من جهة، وتجاه الأسد الذي يواصل قتل السُنة من جهة أخرى، لأنهم فهموا أن الولايات المتحدة لم تعد تقف إلى جانبهم في الصراع حيال إيران، بل تتوقع منهم أن يتنازلوا عن قسم مهم من مطالبهم.

من الواضح أنه بالنسبة للدول السُنية، التي ترى في الولايات المتحدة قوة عظمى بمجرد وجودها صدت كل قوة كان يمكن أن تهددها، فقد تغير الوضع. حيث فقدت الولايات المتحدة الرغبة في مساعدة أنظمة الخليج، واستخدام قوتها في الشرق الأوسط. وفضلًا عن ذلك، حتى وهي تتدخل، مثلًا في قيادة الائتلاف ضد تنظيم داعش، فإن الأمور تتم بتقنين كبير، والولايات المتحدة تساوم خصومها في الميدان مثلما يتبين من ردها الهزيل على تعاظم التدخل الروسي في سوريا.

المفتاح لتحسين العلاقات

تبحث هذه الدول عن جهة يمكنها أن تساعدها في مثل هذا الوقت. وقد وجدت ضالتها -للأسف- في إسرائيل، وهي الدولة الوحيدة في المحيط الإقليمى التي لا يرتسم حول استقرارها أي علامة استفهام. هي دولة قوية عسكريًّا واقتصاديًّا، ولها قدرة واستعداد للدفاع عن مصالحها الحيوية. هذا هو الأساس لشبكة العلاقات الجديدة الناشئة بين إسرائيل وهذه الدول السنية، دول الوضع الراهن الكلاسيكي الموجودة في منطقة لا تكف عن التغيب، وهي تبحث فيه عن مرسى للاستقرار هي نفسها. إسرائيل هي مرسى كهذا، هذا زواج اضطراري وليس علاقات حب، ولكن له أهمية كبيرة ومتزايدة.

وترى السعودية أنها في حاجة للتعاون مع إسرائيل، من أجل الوصول إلى ازدهار حقيقي، وهو ما قاله صراحة، أحد الأمراء السعوديين في لقاء مشترك جمعه بأحد جنرالات الجيش الإسرائيلي اللواء احتياط يعقوب عميدرورفي واشنطن. فقد قال إن «اجتماع المال الإسرائيلي والكفاءة العربية يمكنهما أن يغيرا كل المحيط إيجابًا. فإسرائيل يمكنها أن تعطي هذه الدول ما ينقصها: الأمن، والتكنولوجيا، والتحسن الهائل في مجال الماء، والزراعة، والصحة.

غير أن التعاون العلني وبلا قيود لن يتاح إلا إذا وقع اتفاق بين إسرائيل والفلسطينيين، ليس لأن الموضوع ملح لزعماء الدول؛ بل لأنه بدونه لن يسمح لهم الشارع بأن يتقدموا علنًا في شبكة العلاقات مع إسرائيل.

غير أنه ليس ملحًا للفلسطينيين أن يدفعوا نحو الاتفاق وشبكة العلاقات الإسرائيلية في أعقاب ذلك، العكس هو الصحيح؛ الفهم بأنهم المفتاح لتحسين هذه العلاقات يرفع أهميتهم وثمنهم.

ولكن على العكس، فترى إسرائيل أنه يجب بناء شبكة علاقات تشكل مظلة مشتركة لعمل الدول السنية وإسرائيل، وإليها يقتاد الفلسطينيون كي يبدؤوا بالمفاوضات. لذلك فالسبيل الوحيد لتحسين العلاقات وتطبيعها، والتغلب على هذا العائق، هو تغييرترتيب المراحل.

ولكن ليس مؤكدًا أن الدول الخليجية قادرة على التغلب على هذا العائق، رغم ما لديها من مصلحة واحتياج، فالعائق الإسرائيلي يزعجهم عن تحسين شبكة العلاقات، لأن ذلك سيقلب عليهم الشارع إذا حدث. لكن إذا ساعدتهم إسرائيل في التغلب على هذا العائق، فمن المؤكد أن العلاقات ستتحسن جدًّا، وبشكل علني هذه المرة بين إسرائيل والسعودية والإمارات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد