لماذا الثامن من آذار؟

ببساطة.. لأن امرأة قالت فيه: «لا» على طريقتها!

والجميع يمكنه أن يتعرف إلى كل تفاصيل قصة عاملات النسيج اللاتي تظاهرن ضد المعاملة غير الإنسانية التي كن يتلقينها فخرجن إلى شوارع نيويورك، ولمّا تلقين معاملة وحشية من الجيش، واختنق صوت الصرخة في حلوق الخائفين، انفجرت فقاعة الإخماد والتكتيم حتى وصلت إلى المسؤول والسياسي لتفسح تلك الصرخة مكانها الخاص والدائم في جداول أعمالهم، ثم ليخرج البيان بعد سنوات.

ولأنني امرأة عربية نشأت في وسط إسلامي، أدرك تمامًا أن المجتمع العربي وبناءً على فهم مغلوط لتعاليم الدين الإسلامي وأفكاره عامل المرأة بأسلوب غريب عن الإسلام، وغريب عن تكريم الإسلام للمرأة لما انتشلها من السقوط، ولمّا أسكت كل من ظنّ أنها شؤم، وفي بقائها عار، وأنها رمز للخطيئة وفي وادها سلامة، فأصبح لدى أفراده –إلا من رحم الله– أصبح لديهم مشكلة في التعامل مع المرأة دائمًا، وفي إفساح المجال لها، وفي النظر إلى احتياجاتها ومتطلباتها، وهذا لم يقره الإسلام أبدًا، لكن العنصرية التي تظلّ دوائر دوامتها تتمدد إلى الداخل وتضيق وتضيق وتضيق… حتى لا تجد غير عنق الضعيف لتلتف حوله، جاءت هذه المرة من حظ المرأة لتكون الضحية الجديدة.

ولأن في محفظة المجتمع أسباب كثيرة جعلت من أغلب الحقوق التي يفترض أن ينعم بها الإنسان في الحياة الطبيعية بدون مشاكل، ويحصل عليها بدون مطالبة، جعلت منها أحلامًا وطموحات قد يفني نفسه في سبيل الحصول عليها، فيعيش مقاتلًا بدل أن ينفق حياته للإعمار مثلًا، ويعيش مدافعًا عن نفسه يدرأ عنها الاتهامات كأنه فعلًا متهم، والجريمة مطالبته بحقه في الحياة مثلًا، وقد يموت دون ذلك، والأسوأ أنه قد يعيش واهمًا بأنه امتلك بغيته.

نحن نربي فيهنّ الخوف.. ثم

ماذا فعل هذا المجتمع الجميل، المثالي، اللامع، الفاضل، العطوف، المتماسك، المتضامن، اللطيف، الورديّ… طبعًا أنا أسخر، هل هو كذلك؟

هذا المجتمع العنصري ضد أي شيء ولأي سبب أصبح لا يعيش بدون أن تحكه أخلاقه السيئة فيجنح إلى العنصرية: مرة ضد الأقزام، وأخرى ضد السود، وثالثة ضد المرضى، وددت في لحظة أن أقول إن هذا المجتمع عنصري حتى ضد ما ليس للإنسان فيه يدٌ، فاكتشفتُ أن العنصرية دائمًا تأتي ضد ما ليس لنا فيه يد.

المجتمع الذي لطالما كتم صوت المرأة، وأخمد مطلبها، وتجاهل احتياجاتها، إن المنطقي ألا يكون من حقه اليوم أن يطالبها بأن تنجب بطلًا حقيقيًّا يحقق السلام له، ويأخذه إلى الاطمئنان والهدوء، ويصحح مساره، وببساطة أيضًا لن يمكنه ذلك لأنه نظر إليها دائمًا بواحدة من نظرتين: إما نظرة احتقار على أساس أنها خطيئة، أو نظرة اشتهاء على أساس أنها كمية بقلاوة… ليضيع جزء كبير من عمرها وهي تقاتل لأجل حقها الفطري في الحياة إنسانًا لا نصف إنسان.

علامة استفهام على وجه من يتضامن

في ظل ذلك كله تجد أن هناك من يحاول إقناعها بأن ذلك ليس من حقها أصلًا، ليس من شأنها هؤلاء اللاتي والذين يطالبون ليشغلوا أوقاتهم أو لينالوا قسطًا من الشهرة, أو … هل أقول: أو لأنهن مضطهدات فعلًا، ويعشن حياة يكتب تفاصيلها غيرهن ويفرضها عليهن وقد خلقن إنسانًا كاملًا لهن حرية اختيار شكل حياتهن واتجاهها، ثم يتحكم الكل من حولهن بحيواتهن بينما لا يستطعن ذلك، ها قد قلت ما أريد!

ما إن يخرج صوت نسوي أو غير نسوي لينادي بحقوقها الأصيلة تجد على الطرف الخفي مقصدًا قد لا تفهمه قبل أن تتعمق فيه، هذا المقصد يمكن تحديده حسب هوية المنادي بحقوق المرأة، وهو غالبًا واحد من عدة لا أستطيع حصرها في مقال، لكنني لا أستثني من تلك الحالات الحيوان الأليف الذي تقوم أنثى على حمايته.

قصدت أن أقول: لو كان للطبيعة لسان لتكلمت في هذا الشأن وغيره، فمثلًا على نطاقي الضيق وبيئتي المحدودة فإن المرأة التي عرفتها وعاشرتها متحررة من أي خوف مدركة لأهدافها كاشفة بجلاء لطبيعة الموقف، المرأة –في فلسطين– هي حارسة النار ونافذة النور وجيش الدفاع، إنها خيط أمل ما يزال يتجول بجرأة فوق ملامح الشقاء والظلم والنكبة. أمل يفوق ما في الكون من بؤس ووجع وفرقة وحروب، فهي تقف حارسة لموطن الإنسان فينا لقد عرفت كيف يمكنها أن تكون امرأة.

غذوا روحها وأطلقوا العنان لعقلها

حين تعيش المرأة لقضيتها فإنها تختار الدرب الحقيقي الذي يمكنها من خلاله أن تحقق الأهداف، وتجمع نبضها في نوتة لن يتقن عزفها سواها، فكيف بها إذا تجمّعت الأهداف في خلدها وتخلصت ذات قرار حكيم وحاسم من كل الصراعات التي تنمو في داخلها بين أن تكون الأنثى التي تعيش لإرضاء غرورها وتضخيم كبريائها، وبين أن تكون الإنسان الواعي الذي يضغط بكل ما أوتي من قوة على أي ثقب قد يسرّبُ الخمول إلى الثغرة التي تملأها المرأة بحضورها.

هيَ – والذي بالحق يعلمُ كلّ أسرار المسائل –

كعجائب الدنيا،

نمت في سيفِ امرأة تقاتل!

تعددت مجالات الحياة ولم تدع المرأة التي عرفتها مجالًا يعتب عليها أو يضطر لمناداتها فكانت تسارع إليه وتتألق.

لعل الأنثى القضية، أو القضية الأنثى تكون القوة الناعمة التي ستنجح أخيرًا في التسلل إلى العالم وزرع ما تريد حسب فهمها المستنير وفكرها المتجدد، لعلها تكون القوة الذكية التي ستسحب البسط من تحت من عجز عن أداء دوره، واليد الخفية التي ستمنح كامل المسرح لمن يستحق أن يلمع فوقه، فلم لا تستغل الأنثى ذلك بعد كل العقبات التي اجتازتها والظروف التي تخطتها؟ لم لا تتوضع الأنثى فوق كل الثغرات التي تستطيع النفاذ من خلالها إلى الآخرين لتقيّض كل ما وصلت إليه لخدمة الهدف، أن تتسلل بالحب مرةً وبالقسوة الرشيدة أحيانًا، ومرارًا بامتلاك القلوب حتى تصل عبرها إلى العقل والحواس الأخرى متى أرادت ذلك ووجدته مناسبًا توقيتًا وهدفًا. فلعلّه أجلّ وأجمل ما يَسِمُ القوة الناعمة أنها تستدعي الحب والتفكير معًا،

وما أجل الحب في زمن استبدت فيه الحرب

أو أهم التفكير في زمن ساد فيه التكفير

المرأة الفلسطينية كانت ضمير ليلى التي يغني على طيفها في خياله من كان دومًا يغني على ليلاه، كانت صرختها صوت كل متعثر وصامت وخائف ومنطوٍ ومعتزل ومتوجع من كل الرسالات السابقة، كانت صوت جميعهم على السواء وبالإنصاف الذي لم يعاملها به المجتمع قط، فتصير معلّمه الحاذق دومًا، ومبتدأ اعتراف العالم بقصوره أمام تلك النطفة الوحيدة للرقة والقسوة معًا في هذا العالم، والخبر الحقيقي لانهيار شبح الغواية الذي يشتعل في رأس العالم الممتلئة بالخطيئة كلما سمع اسم الأنثى.

رأيت فلسطين الأنثى أول صوت يشق صمت العالم المسكون بالضياع، التائه في دروب البحث عن الحقيقة وأول يدٍ تشير إلى الطريق الصحيح، وأول عينٍ جريئة تظل مفتوحة محدقة في عين خصمها حتى يسقط ستار سوأته، وهي فاتحة التغيير التي سيفضح جمالُها قبحَ هذا العالم.

المرأة مرادف الحياة

لم تحمل النبوة امرأة قط لكنها كانت دثار النبي وزملته وسنده الذي لا ينهار دومًا، وبعدها جاء دورها الذي لن ينتهي، وجاءت صورها الجلية في الصحابيات، والداعيات والإعلاميات والعالمات والطبيبات والمعلمات والمكتشفات والمربيات والفلكيات والكاتبات والأديبات والطباخات والشاعرات والسياسيات والفنانات… وغيرهن ممن وضعن بصمة يعجز عن وضعها ألف متهكم وساخر.

إن قالها السفهاء: ماذا قد تغير واحدة؟

قلنا لهم عنك الحقيقة، لست أية واحدة

أنت الوفاء والانتماء، جذور نبض خالدة

المرأة الفلسطينية التي وقفت إلى جوار الرجل ووقفت وحيدة أحيانًا لتؤدي دورًا ورسالة لم يكن ليحملها الضعفاء، أو يقو على حملها الجبناء، وقامت بأجل الأدوار حربًا بعد حرب واجتياحًا بعد اجتياح، وانكسارًا تلو انكسار، هي أنموذج مصغر عن المرأة التي عرفت معنى حياتها وتفانت لأجله، لكنها أيضًا أنموذج للتضحية وحمل الرسالة بحق، فليصوّب التأريخ عينه على تلك المتفردة التي كان لهوها مناورة الاحتلال بكل ما ملكت من علم وفن وطلاقة وقدرة تحت شلال الضعف. هي بعينها من ستقف بوجه من يقول: إنها محضُ امرأة، وستقول بملء ما في دمها من رجولة غاب عن حقيقتها أغلب من حملوا مسمّاها:

إنّي امرأة

بل ثورة

تجري مع الدم في شراييني

مصابيحُ القضايا الملهمة

أحيا بها، معها وتنطق في دمي

تسعون ألف قضيةٍ

أأعدُّها؟

ما نزال في مقتبل الحكاية لكننا أساسها ودعامات هذا البناء الذي سيكتب له النجاح والاستمرار والتأثير بقوتنا وبأيدينا وبسياستنا الناعمة التي ستقلب الموازين لصالح الإنسان، وتسخّر الأشياء لخدمة الغاية النبيلة، وتكشط الغموض عن الوجوه القبيحة فتؤسس لمنابر تعي ما تقول، وتقول ما تعي، وتصر على أن تنشر عدوى الوعي ما استطاعت، وتجاهد لأجل ذلك.

هذه هي المرأة التي يستحق أن يطأطئ التاريخ رأسه أمامها، إذ طالما رفعها معاندًا ضد من قرروا أن يدخلوا إليه بقلوب مريضة أو رؤوس فارغة أو أيادٍ قذرة. وقد قلت في إحدى قصائدي يومًا:

في العمرِ…

لا يقفُ النشيدُ مطأطئَ الرأس العظيمة، مثلما لقضيةٍ…

أو لامرأة!

كل عام وكل امرأة -عرفت ما معنى أن تكون امرأة– بخير!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد