عرف التاريخ الإسلامي عديد القضايا والإشكالات التي لم تتم مقاربتها بالشكل اللازم ومن بين هذه القضايا نجد «طبيعة العلاقة بين الإسلام والقومية»، من المعلوم في هذا الإطار أن الدين الإسلامي يرفع شعار الكونية باعتباره دينًا للجميع وليس لشعب معين، لكن هنالك بعض الإشكالات في هذا الصدد والتي لايجد لها المتتبع أي تفسير مقنع لعديد العوامل التاريخية.

لقد احتكرت الأصولية الإسلامية هذا الدين وتفسيراته، حيث قامت بغلق الباب أمام كل محاولة لإعطاء نفس جديد له، متبنية في ذلك المبدأ القائل بأنه «لا اجتهاد مع وجود النص»، ومما عمل عليه هذا التيار هو جعل بعض القضايا بمثابة تابوهات لايجوز التفكير فيها، جاعلة بذلك نفسها هي الوصية على هذا الدين، وفي سياق الخروج من سجن هذه المقاربة الدوغمائية نطرح قضية «الإسلام والقومية» والمتضمنة في جوفها لعديد الإشكالات والقضايا من قبيل: ما طبيعة العلاقة بين القومية والإسلام؟ هل يمكن القول أن الإسلام دين قومي؟ وما هي أبرز مظاهر تجليات القومية فيه؟

إن ما يدفع لطرح كل التساؤلات المشروعة من جهة ثانية بعد الغموض الفقهي في معالجة القضايا، هو تأكيد رواد تيار الفكر القومي العربي على كون الإسلام يمثل الوجه المشرق للعروبة، فقد أكد مجموعة من المفكرين على عروبة الإسلام ومن بينهم المفكر التونسي «محمد طارق» الذي قال بالحرف أن «الإسلام هو الدين القومي للعرب» (أركان القومية العربية، ص 52 )، إن الإسلام هنا خادم لما يسمى بالمشروع العربي، ومن الأمثلة أيضًا ما ذكره محي الدين صبحي حين قال أن: «الإسلام هو الجانب المشرق من العروبة» (الأمة المشلولة، ص 19)، في هذا الجانب يتضح إذن الارتباط الرئيسي بين العروبة والإسلام، وهذا الارتباط يطرح أكثر من علامة استفهام حول سؤال الكونية في الإسلام؟

لا يكفي الاستناد على هذا الكلام لطرح إشكال القومية بالنسبة للإسلام، بل لا بد من استجلاء إشكالات من داخل منظومة الإسلام ذاتها يدور حولها هذا الموضوع من قبيل: (مركزية اللغة العربية – مركزية المكان – أولوية العرب – مقارنة بين المسيحية والإسلام حول إشكال الكونية).

مركزية اللغة العربية

مما هو متفق عليه أن اللغة تعد عنصرًا رئيسيًا من العناصر التي يرتكز عليها أي تيار قومي في العالم، وهذا يطرح إشكال إلحاح الإسلام على أهمية اللغة العربية باعتبارها لغة القرآن: يقول: «إنا أنزلناه قرآنا عربيًا» (سورة يوسف، الآية 2 ) وأيضا: «وكذلك أنزلناه قرآنا عربيًا» (سورة طه، الآية 113 )، وغيرها من الآيات التي تدفع للتساؤل حول المغزى منها، فما معنى القول بالكونية والإلحاح في نفس الوقت على لغة معينة؟ يتضح من خلال الإلحاح على مسألة اللغة العربية الانتصار لقومية معينة أو على الأقل هذا ما يبدو، نظرًا لأنه لا يمكن القول أن اللغة من العناصر التي تؤسس الكونية باعتبار أن لكل شعب لغته، إن التأكيد على لغة معينة بوصفها لغة الإسلام ينسف كونيته ويجعله منتصرًا لقومية معينة، مثلا عادة ما يفرض على شعوب غير عربية تعلمها بمجرد دخولها في الإسلام بوصفها لغة القرآن الذي هو كلام الله، وهذا يطرح إشكال ما محل لغات الأقوام الأخرى التي دخلت في الإسلام؟ هل يستوجب عليهم أن ينسوا لغتهم وينتصروا للعربية؟ أي كونية تكون بهذا المعنى؟ ألا يمثل الإسلام بهذا المعنى نشرًا لقومية معينة؟

مركزية المكان

تحظى البيئة العربية الحجازية بتقدير خاص لدى المسلمين، بوصفها مكان النشأة الأولى للإسلام، ويحج المسلمون سنويًا إلى مدينة مكة، حيث يتواجد الحرم المكي، وكذلك نفس الشكل يقال على المدينة، فهذان المكانان يحظيان بتقديس وتقدير خاص لدى المسلمين، وتعرف بالأرض المقدسة وينبغي على جميع المسلمين ممن تتوافر لهم الإستطاعة المادية زيارة هذه الأماكن، إن بداية الدعوة انطلقت من هناك، إن قدسية المكان تظل نسبية رغم ذلك.

أولوية العرب

إنه ومن خلال ما ذكر ومن خلال الحمولة الثقافية العامة يتضح أن العربي يشعر دائمًا بتفوق على باقي الشعوب التي دخلت في هذا الدين، نظرًا لأن الدين نزل بلغته وثقافته، سواء كان ذلك شعوريًا أو لا شعوريًا وإن ما يكرس بنية هذا اللاشعور هو جهاز الإسلام من خلال اللغة والثقافة مما يخلق لديه نزعة لا شعورية بالتفوق.

مقارنة بين المسيحية والإسلام حول إشكال الكونية

على خلاف الإسلام الذي يكرس لغة واحدة، نجد في المسيحية تعددًا لغويًا مهمًا، ففي البداية كانت المسيحية بالآرامية ثم بعد ذلك أصبحت باللاتينية وكلما كانت تنتشر في أرجاء المعمورة إلا ويتم ذلك بلسان القوم الذي يستقبلها، وليس بلسان واحد كما يفرض الإسلام على باقي الشعوب.

إن فكرة الكونية حاصلة في المسيحية نظرًا لتوافر شروطها، أما في الإسلام فهي متعذرة نظرًا للعوامل المذكورة، إن الكونية إذن تقتضي انتفاء اللغة لأنها ليست مشتركًا إنسانيًا وبالتالي لا بد من البحث عن المشترك وإعطائه أهمية بدل اللغة، فتكريس لغة واحدة هو تكريس للتفاضلات القومية بين الشعوب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد