قال صديقي: أنت تؤيد الديمقراطية وهي تعني حكم الشعب، وهي تتعارض في ذلك مع الإسلام؛ لأنه في الإسلام لا حكم إلا لله، فكيف نحكم الشعب؟

قلت له: ولماذا إذن نحتاج لحاكم من البشر إذا كان الحكم لله؟ إن حكم الله يعني تطبيق شرعه والالتزام به، ولا بد لإنسان أن يقوم بذلك. ولذلك سارع أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم- إلى اختيار من يخلفه في حكمهم بمجرد وفاته، وقبل دفنه.

ولو فهم الصحابة أن الحكم لله تعني أن يحكم الله الإنسان مباشرة ما أجهدوا أنفسهم في اختيار خليفة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتولى حكمهم. ولذا حين قال الخوارج لعلي بن أبي طالب – رضي الله عنه- إن الحكم إلا لله، رد عليهم بأنه لا بد للناس من أمير بر، أو فاجر.

يعني من يرفض الديمقراطية لأنها حكم الناس، أو حكم الأمة، ثم يقبل بحكم الفرد، ويوجب طاعته طاعة عمياء لديه خلل في القياس. فكيف يقبل بحكم فرد واحد يخطئ ويصيب، ويرفض حكم الجماعة وهو عن الخطأ أبعد من حكم الفرد؟

وإن كانت الديمقراطية من نتاج الحضارة الغربية، ويرفض البعض ذلك. فإن ذلك مردود عليه بأنه ليس كل ما يأتينا من غيرنا من الحضارات مرفوضًا، وخاصةً إذا كان فيه صلاح البلاد والعباد، أما ما يأتينا من عندهم ويكون فيه تعارض مع عقيدتنا أو شريعتنا فإننا نرفضه، ولا نأخذ به.

إن من يرفض الديمقراطية لأنها حكم الشعب كله، ثم يرفضها ويقبل بحكم الفرد لم يقرأ التاريخ الإسلامي جيدًا، وخاصة عهد الخلفاء الراشدين الذين أمرنا النبي باتباعهم. فالأمة هي التي اختارت أبا بكر الصديق – رضي الله عنه- خليفة، ورضيت به فبايعته. ولو رفض المسلمون بيعة أبي بكر لما أصبح خليفةً للمسلمين.

ورغم أن أبا بكر أوصى بالخلافة من بعده لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، إلا أنه لم يكن قرارًا فرديًّا من أبي بكر؛ بل أوصى لعمر بعد مشاجرة كبار الصحابة. ومع ذلك لم يصر عمر خليفة بوصاية أبي بكر بل ببيعة الأمة له ورضاها به، كما قال الإمام المجدد أحمد بن تيمية – رحمه الله-.

وبعد إصابة عمر بن الخطاب – رضي الله عنه-، وقبل وفاته أوصى بستة يكون الخليفة من بينهم، وحدثت مشاورات كثيرة وتم استشارة أهل المدينة حتى النساء في خدورهن، فكانت الأغلبية لعثمان بن عفان – رضي الله عنه-. ولكن ذلك لم يكن كافيًا لتولي عثمان السلطة إلا بعد أن بايعه جموع المسلمين.

ولما قتل عثمان – رضي الله عنه- ذهب بعض الصحابة لعلي بن أبي طالب – رضي الله عنه- ليبايعوه بالخلافة، ولكنه رفض ذلك إلا أن يكون في المسجد ليبايعه جميع المسلمين، وهذا ما حصل. إذن كان انتخاب الخلفاء الراشدين جميعًا بطريقة ديمقراطية، ولكن اختلفت الطريقة في كل مرة. وذلك ليعلم المسلمون أنهم يمكنهم اختيار من يحكمهم بأي طريقة، شريطة أن يتبين منها أن تلك هي إرادة الأمة.

وإذا كان البعض يرفض الحلول المستوردة، فإن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- لم يرفضها حين عزمت قريش على مهاجمة المدينة؛ فاقترح سلمان الفارسي حلًّا مستوردًا من بلاد الفرس المجوسية لم تكن العرب تعرفه، وهو حفر خندق حول المدينة. كما أن النبي – صلى الله عليه وسلم- حين أراد مراسلة الملوك في عصره اقترح عليه بعض الصحابة أن يتخذ ختمًا يختم به كتبه للملوك كما يفعلون. كما أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين اتسعت الدولة الإسلامية استورد حلولًا إدارية من بلاد الفرس والروم؛ فأنشأ الدواوين وبيت المال والسجلات الخاصة به.

وإذا كانت كلمة الديمقراطية كلمة سيئة السمعة عند بعض المسلمين، فلنا إما أن نأخذ منها ما يتناسب مع ثقافتنا وقيمنا ولا يتعارض مع ديننا، وإما نختار ألفاظًا أخرى من ثقافتنا تعبر عن رأي الأمة مثل الشورى والبيعة.  كما أن الأمة بحاجة ماسة إلى أن تتم مناقشة أفضل السبل لتحقيق الشورى، وأفضل السبل للتعرف إلى إرادة الأمة، سواء كان ذلك بإيداع من علماء الأمة لنظام جديد تمامًا، أو تطويع النظم الغربية وتعديلها لما يناسب الأمة الإسلامية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد