للأسف، كثير من الأفكار التي عشنا أعمارنَا إيمانًا بها باعتبارها ثوابت وبديهيات لا تقبل النقاشَ والشكَّ، ليست في النهاية سوى مجرد رأي من عشرات الآراء، بل أحيانًا -ولا أريد أن أقول غالبًا- يكون ما آمنّا به بوصفه مُسلَّمات هي أوهى هذه الآراء وأضعفها.

لم أتخيل يومًا أنه يمكن مناقشة قضية هل الإسلام دين الفطرة أم لا؟! بل لا أظن أحدًا قد خطر بباله مناقشة فكرة كهذه. وأزعم أن السببَ وراء ذلك أن المسلمين صاروا كالمشركين الذي ذمهم الله، إن مَثَل الأمة الإسلامية الآن التي تحمل بين يديها قرآنًا يصرخ في وجوهها كل نهارٍ أن أَعْمِلوا عقولَكم وفَكِّروا واسألوا وناقشوا وتبيَّنوا، مثل المسلمين وحالهم الآن «كمثل الحمار يحمل أسفارًا».

لهذا الموضوع قصةٌ أرى أنه من المحبذ ذكرها، أثناء دراستي في دولة روسيا الاتحادية كنت حريصًا كل الحرص على النقاشات الدينية مع زملائي من مختلف الجنسيات والديانات، وذات يوم ونحن في قاعة محاضرات كبيرة إذ أنصت الجميع إلى حوارنا، كنت أتجادل مع صديق مسيحي، ولم أستطع حينها إقناعه بأن اللهَ واحدٌ ليس له شريك. فقد اعتدنا أن يطرح المسلمون حججَ المسيحيين، ثم يجيبون هم عليها- فهم الخصم والحكم في هذه الحال-، غير أنهم في حياتي لم يأتوا لنا بقِسٍّ مسيحي ليعرض لنا عقيدتَه بشكل كامل، ولكن اعتدنا على معرفة الدين المسيحي من أستاذتنا المسلمين، ليعرضوا هم المسيحيةَ بشكل سطحي وساذج، ثم يجيبون على هذا الطرح السطحي الذي ملؤوا عقولَنا به.

لهذا فقد ضاعت كل حججي التي تعلمتها -أو تلقنتها إن صح التعبير- في النقاش مع هذا الصديق الروسي المسيحي، ولم أستطع أمام جميع الطلاب إثبات أن الله واحدٌ، رغم أننا تربينا عليها لسنين. حينها اتصلت بمشايخي في مصر، حزينًا مأسوفًا على نفسي: يا مشايخي، أنقذوني، إنني لم أستطع إثبات وحدانية الله، فأجابوا: ألم تقرأ قول الله «وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ على أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ، قَالُوا بلى، شَهِدْنَا، أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غَافِلِينَ» فنحن قد أقررنا لله بوحدانيته ونحن في عالم الذر. قلت: إن أحدًا لا يذكر هذا الإشهاد، إنني كمسلم لا أذكره شخصيًا، فكيف أحتج به على غير المسلم؟ قالوا: ألم يقل رسول الله «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه»؟ إن الرسول لم يقل «أو يُمسلمانه»؛ لأن الإسلام هو دين الفطرة. قلت: إن هذا الخطاب لا يصلح للنقاش العقلي أبدًا، إنه شخص لا يؤمن بالقرآن ولا يؤمن بالأحاديث ولا يؤمن بمحمد نبيًا، فكيف أستدل عليه بحديثٍ لشخص لا يؤمن به، وينتمي إلى دين لا يؤمن به؟ فهل لو قلت لكم: إن الإسلام دين باطل؛ لإن الكتاب المقدس يقول أن المسيحية هي دين الفطرة، هل ستقتنعون بهذا الكلام؟

حينها أدركت أن بضاعتهم في الأدلة العقلية مزجاة، وحججهم فيها منعدمة.. لكن تلك الآية وهذا الحديث لم يغيبوا عن تفكيري من حينها. وليتكرر السؤال ثانيةً: هل الإسلام دين الفطرة حقًا؟

ربما سيكون الكلام صادمًا للبعض إذا قلت إن هذه القضية فيها خلاف كبير بين طوائف المسلمين المختلفة من قديم الزمن، بل إن الرأي الغالب أن الدين ليس فطريًا، وهو رأي أكثر الناس حتى عامة فرق أهل الكلام، حيث يذهب جمهور المتكلمين إلى أن معرفة الله تعالى ليست فطرية ضرورية، وإنما هي نظرية يكتسبها الإنسان نتيجة النظر والتفكر وإعمال عقله. وكانت المعتزلة هي الفرقة الأولى التي ذهبت إلى هذا الرأي، ووافقتهم عليه الفرق الإسلامية الأخرى، كالماتريدية والكلابية والأشعرية وأصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، والكرامية، ومتأخري الشيعة وبعض فرق الخوارج.(1)

وعليه، فيقول القاضي عبدالجبار المعتزلي: إن سأل سائل فقال: ما أول ما أوجب الله عليك؟ فقل: النظر المؤدي إلى معرفة الله تعالى؛ لأنه تعالى لا يُعرف ضرورةً ولا بالمشاهدة، فيجب أن نعرفه بالتفكير والنظر والمعرفة. ويستدل القاضي عبد الجبار على أن معرفة الله ودينِه ليست ضروريةً وفطريةً؛ بأنها لو كانت فطرية لوجب أن لا يختلف العقلاء فيها كما نرى في سائر الضروريات، ومعلوم أنهم مختلفون، فمنهم من أثبته ومنهم من نفاه.(2)

ويقول الماتريدي في كتابه «التوحيد»: والأصل أن الله تعالى لا سبيل إلى العلم به إلا من طريق دلالة العالَم -الأشياء- عليه.(3)

وأما الأشاعرة فيحكي أبو جعفر السمناني عن أبي منصور الأشعري ويقول: إيجاب الأشعري النظرَ لحصول المعرفة بقيت عنده عند الاعتزال، وتفرع منها أن الواجب على كل أحد معرفة الله بالأدلة الدالة عليه.(4)

وقد تبنى هذا الرأي من الأشاعرة إمام الحرمين الجويني، وعبد القاهر البغدادي، وأبو بكر الباقلاني وغيرهم.(5)

أدلتهم من القرآن

ولكن السؤال الذي يتبادر للذهن، إذا كانت جميع هذه الطوائف متفقةً على أن معرفةَ الله ودينِه ليست فطريةَ وليست ضروريةَ، وإنما لا بد لها من النظر، فمن أين جاءوا من يقولون بأن الدين فطري؟ وما هي أدلتهم؟
في الحقيقة من يقولون بأن معرفة الدين ضرورة وفطرة، يعتمدون بشكل أساسي على آيتين لا ثالث لهما.

1- «فأقم وجهك للدين حنيفًا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله»

حاول شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه «درء التعارض» حشد ما أمكنه من أقوال ليستدلَ على أن «فطرة الله» المقصودة في الآية هي الدين، وهي الإسلام. ولكن الآية لا تعني صراحةً ولا منطوقًا ولا مفهومًا أن الفطرة هي الدين، ولكن معنى الآية هو: أقم وجهك للدين حنيفًا، والزم فطرة الله التي فطر الناس عليها بحب البحث والاستدلال والنظر، فإن هذا الدين الذي ستقيم وجهك له إذا نظرت واستدللت هو الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

فقوله تعالى «فطرة الله التي فطر الناس عليها» هي جملة معترضة، ومعناها الزموا فطرة الله، ففطرة هنا جاء منصوبة، وهي مفعول به لفعل تقديره (الزم) كما يقول الزمخشري رحمه الله.

فالآية لا تدل دلالة صريحة على أن الفطرة هي الدين، فلا متمسك بها لمن يقول بأن الفطرة هي الدين. وإذا كانت الفطرة هي من خلق الله الذي ظاهر النص أنه لا تبديل له، فكيف يستطيع الإنسان أن يغيَّر ويبدِّل دينَه في حين أن الله يقول «لا تبديل لخلق الله»؟(6)

2- «وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ على أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ، قَالُوا بلى، شَهِدْنَا، أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غَافِلِينَ».

فهذه الآية لا تدل على الفطرة بالمعنى السائد، بل لا علاقة لها بالفطرة أصلًا، وهذا الإمام الزمخشري يقول في تفسيره «ألست بربكم قالوا بلى شهدنا» من باب التمثيل والتخييل، ومعنى ذلك أنه نصب لهم الأدلة على ربوبيته ووحدانيته، وشهدت بها عقولهم، وبصائرهم التي ركبها فيهم، وجعلها مميزة بين الضلالة والهدى، فكأنه أشهدهم على أنفسهم وقرَّرهم، وقال لهم ألست بربكم؟ قالوا بلى، أنت ربنا، شهدنا على أنفسنِا وأقررنا بوحدانيتك، وباب التمثيل واسع في كلام الله ورسوله وكلام العربي.

ثم أورد الزمخشري أمثلة على هذا التمثيل من القرآن حيث قال الله «إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون»، «فقال لها وللأرض ائتيا طوعًا أو كرهًا قالتا أتينا طائعين».

ثم يقول «ومعلوم أنه لا قول تمّ، وإنما هو تمثيل، وتصوير للمعنى «أن تقولوا» مفعول له، أي: فعلنا ذلك من نصب الأدلة الشاهدة على صحتها العقول، كراهة أن «تقولوا إنما أشرك أباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم» فاقتدينا بهم؛ لأن نصب الأدلة على التوحيد، وما نبهوا عليه قائم معهم، فلا عذر لهم في الإعراض عنه، والإقبال على التقليد، والاقتداء بالآباء، كما لا عذر لآبائهم في الشرك وأدلة التوحيد منصوبة لهم.(7)

ومن هنا يسقط استدلالهم بآيات القرآن، حيث أن الله يقول «والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئًا» فكيف نكون مفطورين على الإسلام وعلى معرفة الله، والله نفسه يقول «لا تعلمون شيئًا» بل إذا كنا مفطورين على عبادته فلماذا يرسل الله الرسل؟ لماذا يقول الله «لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ» فإذا كنا مفطورين على معرفته وعلى دينه، وغيَّر أحدٌ منّا فطرتَه، فلا بد أن يكون مستحقًا للعذاب، سواء أُرسل الرسل أو لم يُرسلوا، فمن المفترض أن تكون فطرتُه حجةً عليه، ولكن الله لم يحتج علينا بالفطرة وإنما احتج علينا بعد بيان الرسل لنا دينَه وقال «وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا».

أدلتهم من السنة

لم يتبق لهم بعد ذلك إلا حديث واحد يستدلون به كأقوى دليل لديهم وهو ما ذكرته في بداية المقال، «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه أو يمجسانه…». حيث يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه «مجموع الفتاوى»: إن الحديث إنما تحدث عن الفطرة، ولكن الإسلام لم يرد في الحديث، فلم يرد في الحديث إلا أن أبويه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، ولم يقل: أو يمسلمانه، فينتج أن الطفل يولد على الإسلام أصالةً.(8)

لكن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- يبدو هنا أنه كان غافلًا عن الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :كل إنسان تلده أمه على الفطرة وأبواه بعد يهودانه وينصرانه ويمجسانه فإن كانا مسلميّن فمسلم، كل إنسان تلده أمه يلكزه الشيطان في حضنيه إلا مريم وابنها»(9)

فقوله هنا: «فإن كانا مسلمين فمسلم»، فمعناه أن الإسلام ليس هو الفطرة، وأن الطفل يتعلم التوحيد والإسلام بالتلقين والتعليم، مثله مثل باقي الأديان التي يمكن أن يتلقاها بالتلقين.

وهنا يسقط استدلالهم، سواءً منطقيًا كما أوضح المتكلمون، وقرآنيًا كما قال الزمخشري، وحتى من الأحاديث، لأنهم ربما غفلوا -أو تغافلوا- عن الحديث الذي يذكر أن الأبوين يعلمان الطفلَ الإسلامَ.

وأقول ختامًا: إن الشخص الذي يدعى امتلاك الحقيقة دون نظرٍ وأدلة، لن يصل إليها أبدًا؛ لأن التقليد ووراثة الدين والاتباع الأعمى وحشد الأدلة الواهية لحجب العقل المسلم عن العمل وعن النظر وعن التفكّر في الله ومعرفته أولًا، لهي طامة كبرى بلانا بها هذا الفكر العليل، وحسبنا في هذا ما قاله حافظ المغرب ابن عبدالبر في كتابه (جامع بيان العلم وفضله) إذ يقول: قال عبيد الله بن المعتز: لا فرق بين بهيمة تُقاد وإنسان يقلد.

 

 

(1) درء تعارض العقل والنقل، ابن تيمية، المجلد السابع، ص 32

(2) شرح الأصول الخمسة، القاضي عبدالجبار الهمداني، ص 54

(3) التوحيد، أبو منصور الماتريدي، ص 129 

(4) فتح الباري، المجلد الأول، ص 90، والمجلد الـ 13، ص 361 

(5) الفطرة حقيقتها ومذاهب الناس فيها، علي القرني، ص 293 

(6) نقد الخطاب السلفي، رائد السمهوري، ص 191

(7) تفسير الكشاف للزمخشري، الجزء الثاني، ص529-530، طبعة مكتبة العبيكان 

(8) مجموع الفتاوى، ابن تيمية، الجزء الرابع، ص 149 

(9) صحيح مسلم، كتاب القدر، حديث رقم 4813

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد