بل هو بالأحرى المشكلة ذاتها والعائق الأكبر أمام التقدم.

فالدين يقدم للناس تعزية عما يلاقونه في حياتهم من ظلم وعسف ويعدهم بأن لهم في الآخرة الحسنى فيثبط عزائمهم ويسهل مهمة من يستبد بهم ويظلمهم.

الناس تتحسن حياتهم المادية عندما يضعون ذلك نصب أعينهم وتكون أولويتهم القصوى ولا يمكنهم تحسين حياتهم بينما عقولهم منشغلة بالغيبيات ويدفعهم إيمانهم لنبذ التعلق بالحياة وإلا تكون أكبر همهم.

قدرة الإنسان على التعلم واكتساب المعلومات واستعمالها محدودة والمعارف الدينية تأخذ منها مساحات أولى بها التعليم العلمي فبينما العالم يبحث ويدرس ويكتشف يغرق المتدينين في نقاشات لا علاقة لها بالواقع المعاش فهو سبب أساسي في عرقلة التقدم.

والدين عائق أمام المجتمع الحديث متعدد الأديان والأعراق في التجانس القائم على إرادة العيش المشترك وإقامة دولة القانون الشروط الأساسية لنجاح الدول الحديثة ويزكي الطائفية ويقسم الدول إلى إمارات طائفية قائمة على الكراهية والإقصاء.

ولهذا فالمجتمع المتدين أقل تطورا وتحضرا وثراء من نظيرة غير المتدين.

هكذا احتج الصديق العلماني معترضًا على الشعار الشهير الذي يقرر (تعسفيًا) أن كافة مشكلاتنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية سببها ابتعادنا عن الإسلام وحلها الأوحد يكمن في العودة إليه، مقدمًا شعاره المضاد بأن العلمانية هي الحل داعيًا للحاق بقطار الحداثة فلا يوجد قطار غيره ولا طريق للتقدم والرخاء إلا ما سلكه الغرب من قبل، وأول خطوة في هذا الطريق هو الفصل بين الدين والسياسة.

ولكن الكثيرين قد تراجعوا عن شعار فصل الدين عن السياسة نظرًا لمناقضة هذا الفصل ماهية السياسة ذاتها في أي تعريف جاد لها فتم تحوير الشعار إلى فصل الدين عن الدولة فانخفض سقف المطالبة من الإقصاء التعسفي للمؤمنين إلى حياد الدولة وعدم تحيزها على أساس الدين، وهذا الحياد والمساواة بين المواطنين هو التجسد العملي لمبدأ المواطنة، وهنا تتجلى مفارقة كبرى في تلك القناعة الزائفة أن المواطنة منتج علماني صرف وهذا أيضا قول قطاع عريض من الإسلاميين وكأن طرفي النقيض اتفقوا ضمنًا على هذه الفكرة العجيبة والتي مفادها أن هناك تاريخان متوازيان تاريخ إسلامي بحت وآخر إنساني وان التطور في كليهما منفصل عن الآخر!

الإسلام لم ينشئ مجتمعًا من الفراغ وإنما كثير جدا مما ينسب اليوم للإسلام أعراف وتراكيب اجتماعية إما تقبلها  الإسلام ولم ينقضها أو اكتسبها المسلمون وأصبحت جزءا من ثقافتهم فكيف يمكن القول بأن أعراف الجاهلية في جزيرة العرب جزء من الإسلام والاجتهادات البشرية الحديثة المبنية على التجربة وتحصل المصالح ودفع المضار ليست من ضمنها؟

وكيف نقبل أن تكون الفلسفة الإسلامية التي بنيت على حضارات الفرس والإغريق جزء من الثقافة والتراث الإسلامي بينما نلفظ الفلسفات الحديثة؟

وكيف نعتبر البنى الإدارية التي اكتسبها العرب من الفرس والروم وطبقوها نماذج إسلامية بينما نظائرها العالمية الآن أو في الأمس القريب ليست كذلك؟

وتستمر تلك القناعات الزائفة في سد سبل التواصل والفهم تغذيها التحزبات بين الإسلامي والعلماني في صراعهما على ناصية المجتمع التي يسلمها مستبد إلى مستبد ويجد دائما سندًا وداعمًا (رخيصًا) من إحدى الطائفتين يبرر استبداده وقهره وكبته للمجتمع نكاية في الآخر متذرعا بحماية الدين تارة وحماية المدنية ومجابهه الثيوقراطية أخرى.

وفي مقابل افتراءات الإسلاميين على العلمانيين الناتجة من قناعتهم الزائفة (وإن ضاق المجال هنا لعرضها) يراكم العلمانيين قناعات مقابلة بربط التدين بالتأخر ربطًا تعسفيًا فهل نعتبر العصر الذهبي للحضارة الإسلامية عصر ضعف إيمان؟ أو أن مجتمعاتنا التي تدعي التدين قوامها من الزاهدين؟ أو أن سبب تأخرنا العلمي ليس إفلاس المؤسسات العلمية وغياب التخطيط في التعليم والبحث العلمي بل لأن الطلاب منشغلون بالتفقه في الدين الذي صرفهم عن ملهيات الحياة!

ويبدو أن سبب ذلك هو النظرة السطحية (بسبب الأحكام المسبقة) للأمور فما يبدو في الغرب نجاحا في إقامة المجتمع الناجح بدون دين يمكن اعتباره إقامة للمجتمع على أساس الدين المدني الذي بشر به جان جاك روسو وهيجل من بعده حيث تستبدل الدولة الكنيسة والقوانين الأناجيل وكذلك في التجارب الشمولية والاشتراكية المتعددة كانت الأيدلوجية المسيطرة بها دوما دوجماتية راسخة لا تقبل تشكيكا ولا مناقشة مثلها مثل أقصى حالات التطرف الديني حيث يوصم من يشكك بها بالخيانة للوطن أو الطبقة والعمالة والرجعية ويلقى مصيرا مفزعًا.

وبسبب هذه النظرة السطحية تغفل حقيقة تعدد أنماط التدين فبينما نشهد في التاريخ الإسلامي تنوعا فكريا كبيرا يؤكد على أن التطور سواء في الجانب الفقهي أو الفكري لمواكبة حاجات الناس ومستجدات العصر سمة أساسية في هذا الدين ونرى في واقعنا اختلافات كبرى في مفاهيم ومواقف وآراء من يصفون أنفسهم بإسلاميين أفرادا وجماعات نجد هذا التعميم بغير مقتضى.

ذلك لأن العقائد الدينية وحتى الأيدلوجيات لا تعطي حلولًا جامدة لكل صغيرة وكبيرة وإنما تفوض المؤمنين بها في ابتكار حلول لما يصادفهم من مشكلات في ضوء إيمانهم، وبقدر ما يختلف الناس تختلف قراءتهم للنصوص الدينية وبحسب طبيعة أنفسهم تكون اختياراتهم في تأويلها.

وفي سوق الأفكار يكون الرواج أو الكساد تبعًا لعوامل متعددة تتضافر لتكون طبيعة البيئة الثقافية التي تتقبل نمطا من الأفكار ويكسد بها سوق غيرها.

فالأفكار الرجعية والسلبية والتي يموج بها مجتمعنا وتمثل سدًا بينه وبين التطور لم تكن لتلقى صدى إلا عند أناس مهيئين نفسيا وثقافيا لقبولها وكذلك الأفكار الإيجابية النافعة لابد أن تجد بيئة تساعدها على الازدهار.

و خير مثال على هذا الأفكار المساندة للاستبداد السياسي وتلك المناهضة له والذين ساروا جنبًا إلى جنب طيلة التاريخ الإسلامي حتى يومنا هذا، فلم يعدم أنصار الاستبداد نصوصًا وتأويلات وحجج دينية لتأييد قولهم كما فعل مناهضوه.

وبشكل عملي بحت تبدو محاولة إقصاء الفكر الإسلامي عن محاولات النهضة عبثية فإننا إن تغاضينا عن مقتضيات الإيمان بقيم الإسلام العامل الثقافي الأكبر في مجتمعاتنا فلا يمكن تصور تطويرها من دونه، وحتى إن تصورنا إمكانية حصر الدين في الإطار الشخصي كما يرى البعض حلًا لإشكاليات سياسية واجتماعية متعددة فهذا موقف ديني لابد أن ينبني على قناعات دينية إلا إن استمرت محاولات العلمنة قسرًا التي لم تنجح إلا في تعميق المشكلات وسد أفق حلها وترحيلها ليتحمل أوزارها أجيال قادمة كما دفع ويدفع جيلنا فاتورة أوزار سابقيه مع فاتورة أخطائه.

فالأولى إيقاف محاولات إقصاء الدين والتي لم تلق إلا الفشل طوال القرن الماضي والتحول إلى دعم أنماط أكثر إيجابية من التدين تحقق أثرها كعامل نهضوي في المجتمع الذي لن يشهد تطورًا حقيقيًا إلا بتغير حقيقي في ثقافته ونمط تدينه.

ولا نحتاج لتحقيق الأثر المنشود إلى استحداث فكر وخطاب إسلامي جديد يلائم متطلبات العصر ويحقق آمال الناس في العدالة والرخاء ويواجه الأفكار الظلامية، لأنه ببساطة موجود فقط يحتاج من ينفض عنه التراب ويسوقه كما ينبغي، ولكننا لن نجد شيئًا إن لم تكن لدينا إرادة العثور عليه.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الإسلام, دين
عرض التعليقات
تحميل المزيد