بعد سلسلة من الحروب والنزاعات، التي خلفت الفوضى والدمار، وذهبت ضحيتها الملايين من البشر، وتشردت بسببها كثير من الأسر، في مناطق مختلفة في العالم، لا شك أن تحقيق السلام، واستتباب الأمن، بعد كل هذا العنف والدمار، هو ما تطمح البشرية اليوم إلى تحقيقه والوصول إليه، وتصبو معظم الشعوب، إلى العيش في كنفه، والارتماء في حضنه، بعيدًا عن هدير الطائرات والمقاتلات الحربية، وضجيج الدبابات ومختلف الآليات العسكرية، وصوت الرصاص المزعج ودوي المدافع والقدائف المرعب، ولذلك فالشغل الشاغل اليوم لمعظم الشعوب، خاصة تلك التي تعيش على وقع الحرب والنزاع المسلح، هو إيجاد مكان آمن وهادئ، تستطيع العيش فيه بحرية وفي سلام وطمأنينة، مكان تستطيع أن تستنشق فيه عبق الحياة، وتتذوق فيه طعم الاستقرار، بعيدًا عن رائحة الموت والدماء والأشلاء.

يبقى الشعب الفلسطيني من أبرز الشعوب في العالم، التي تسعى وتناضل من أجل أن تنعم بالسلام، وتعيش في أمن وطمأنينة وازدهار، لذلك يناضل الشعب الفلسطيني منذ عقود ويناهض كل الأشكال والمظاهر التي تقوض السلام، ويقاوم من أجل التحرر والانعتاق، وكسر قيود الاحتلال.

لقد بدأ الشعب الفلسطيني مسيرته نحو تحقيق السلام منذ عقود، ولم تزل هذه المسيرة مستمرة إلى اليوم، وسيظل في مسيرته هذه، حتى يتحقق المبتغى والمراد. أقف اليوم أمد يد السلام، وأستقبل يد السلام، نقول في ديننا الإسلامي اللهم أنت السلام ومنك السلام، فالبحث عن السلم مبدأ أصيل، ولكن المبادئ تتحقق فعلًا، عندما تتحول إلى أفعال، وها نحن اليوم نشهد فعلًا سيغير الشرق الأوسط، وسيبعث الأمل حول العالم، بهذه الكلمات نطق وزير الشؤون الخارجية لدولة الإمارات، عبد الله بن زايد آل نهيان، شقيق حاكم دولة الإمارات العربية المتحدة، وخاطب بها الرأي العام الدولي والعربي، وكذا الحاضرون في مراسم توقيع وثيقة تطبيع العلاقات بين إسرائيل والإمارات، حيث حضرها كل من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ومستشاره وصهره جاريد كوشنير، ووزير خارجيته مايك بومبيو، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بينيامين نتينياهو، وغيرهم من الشخصيات الدبلوماسية والسياسية، في الجانب الأمريكي والإسرائيلي والإماراتي أيضًا.

في نفس الخطاب أيضًا وجه الشيخ عبد الله بن زايد شكره لإسرائيل، في شخص رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، بقوله: أشكرك على اختيارك للسلام، ووقف ضم الأراضي الفلسطينية.
السلام إذًا هو لافتة وشعار الإمارات، لتبرير تطبيع علاقاتها مع الكيان الصهيوني المحتل لدولة فلسطين، وهو اليافطة ذاتها المنتظر أن يرفعها ويروج لها المهرولون والمقبلون على التطبيع بشكل علني، في الأيام القليلة المقبلة، لتبرير تطبيعهم للعلاقات مع كيان محتل وغاصب لأرض فلسطين.

ليس غريبًا ومفاجئًا للكثيرين إقدام الإمارات، ومعها أنظمة عربية أخرى، على تطبيع علاقاتها مع إسرائيل، بقدر ما فاجأهم إصرار قيادات الإمارات، على إظهار دولة الإمارات بمظهر الراعي والحريص على السلام والأمن والاستقرار، خاصة أن للإمارات دور بارز وجلي في تبني جميع أشكال الفوضى والسيبة، ودعم ومؤازرة الميليشيات والجماعات المسلحة التي تقوض كل عمليات السلام وتهدد الأمن والاستقرار، في مناطق كثيرة كاليمن وليبيا، وحرصها كذلك أيضًا على الترويج وإظهار إسرائيل، على أنها دولة تسعى للسلام وتمد يد السلام لشعوب المنطقة، فهل حقًا تسعى إسرائيل لتحقيق السلام، كما تحاول الإمارات التسويق لذلك والترويج له؟

إن مجرد التأمل واستحضار سياق وجدور القضية الفلسطينية، سيتضح لنا مدى زيف ما تحاول الإمارات ترويجه وما تزعمه بحق إسرائيل اليوم، يكفي أن نتأمل سياق تأسيس إسرائيل ونشأتها، الذي يتعارض في حد ذاته مع مبدأ السلام ويتناقض مع جوهره، فمجرد قيام كيان ما على أرض غير أرضه، وعلى حساب عرض، وشرف، ودماء غيره، يقوض السلام وتنهار أسسه ومبادئه.

من المعلوم أن كيان إسرائيل نشأ وتأسس على حساب تقسيم دولة فلسطين، وتوسع على حساب أرزاق الفلسطينيين وممتلكاتهم، جاء محتلًا وغاصبًا وناهبًا، وما زال كذلك منذ نشأته إلى اليوم، على مدار 50 عامًا من احتلاله فلسطين، إرتكب جرائم بشعة، وانتهاكات صارخة بحق الفلسطينيين، تمثلت بالأساس، في الحصار، والقتل، والقمع، والتعذيب، والاغتيالات والاعتقالات، ومصادرة الأراضي، وبناء مستوطنات غير قانونية، وسلب الممتلكات، وتهجير أصحاب الأرض نحو مخيمات اللجوء.

في الوقت الذي يحتفي الإماراتيون بتطبيعهم مع إسرائيل، باسم السلم والسلام في المنطقة، ما زالت إسرائيل تمارس سياساتها القاسية، وانتهاكاتها بحق الفلسطينيين، ما زال الحصار مستمرًا، وتستمر معها معاناة الشعب الفلسطيني، ما زالت الأراضي المغتصبة والتي استولى عليها تحت تصرفه، ما زالت الممتلكات التي نهبها تحت قبضته، سياسة تكميم الأفواه واعتقال الفلسطينيين وتصفيتهم واغتيالهم، مستمرة كما العادة، التمييز الصارخ بينهم وبين اليهود واضح ومستمر، فعن أي سلام يتحدث هؤلاء؟

تقول الإمارات العربية المتحدة على لسان وزير الخارجية عبد الله بن زايد أن إسرائيل، أوقفت ضم الأراضي الفلسطينية وتشكرها على ذلك، والحقيقة التي تتجاهلها الإمارات وقياداتها، أن إسرائيل لا تهتم بالسلام، بل لديها غايات وأهداف قومية إستراتيجية، تعمل على تحقيقها منذ نشأتها، هذه الغاية القومية والأهداف الإستراتيجية لم تتغير ولن تتغير لدى إسرائيل، وتتمثل في الأساس في تأسيس وإقامة إسرائيل الكبرى اليهودية النقية، كقوة إقليمية عظمى مهيمنة في منطقة الشرق الأوسط، قد تكون أرض الإمارات وأراضي كثير من دول الخليج التي تهرول نحو التطبيع جزءًا من هذه الدولة القومية الكبرى التي تطمح إسرائيل لتأسيسها مستقبلًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد