ظهر مخطط احتلال فلسطين كهدف استعماري لفصل الجزء الآسيوي عن الأفريقي؛ وذلك خشية قيام أي كيان عربي متصل يهدد المصالح الغربية في الشرق، وراجت أهمية الشرق في العقل الاستعماري الأوروبي نظرًا إلى ما يحتضنه من ثروات باطنية تجعله غنيمة اقتصادية كبرى للطامعين، كما أنه يعد موقعًا استراتيجيًّا بالغ الأهمية؛ فهو بمثابة بوابة تصل قارات العالم الثلاث، هذا كله دعا نابليون بونابرت ليوجه نداء إلى يهود العالم بأن عليهم أن يتحدوا وأن يحصلوا على أرض أجدادهم، ومن بعده قام القادة البريطانيون بتوجيه بوصلتهم نحو الشرق لأجل السيطرة السياسية وتحقيق الكسب الاقتصادي، إلا أن طبيعة السيطرة في المرحلة البريطانية ظهرت بأشكال مختلفة حسب الحاجة؛ فجاء كاحتلال عسكري مباشر تارة وجاء احتلالًا بالوكالة تارة أخرى، غير أن حركات التحرر التي تبعت الثورة العربية الكبرى وحالة الضعف التي أصابت بريطانيا أظهرت الحاجة لدق وتد يضمن المصالح الغربية.

اختارت مراكز القوى اليهود لتحقيق غايتها؛ وهو ما دعا نابليون إلى توجيه حملته إلى مصر والاستعانة باليهود كما أسلفنا، ولمحاولة الإحلال الفكري والثقافي والرغبة في السيطرة غير المباشرة، جاءت الدعاوى البريطانية ليهود العالم من خلال استرداد أرض الميعاد وخَلُصَت في النهاية إلى وعد بلفور، وقد وجد الغرب الأوروبي المأساة اليهودية حلًا أمثل لتحقيق الهدف المنشود، وذلك كتجسيد للرغبة البريطانية وتحقيق الصالح البريطاني من خلال كسب تأييدهم العسكري والأهم دعمهم المالي بصفتهم يملكون الثروة.

ولدعم هذا المقصد حاولت بريطانيا أن تجد ما يبرر وجودها في فلسطين، وليس أفضل من المتاجرة بمأساة الشعب اليهودي وما عاناه في أوروبا، ومن جهة أخرى حاولت جعل العرب يظهرون بمظهر البدائيين وغير المنتمين لأرضهم لتبرير ترحيل اليهود إلى فلسطين؛ فقد عرض تقرير لجنة بيل عقب ثورة عام 1936م الذي خرج بـ400 صفحة أن العرب ضد الزراعة والعمران، وبالتالي هم عصا في دولاب عجلة التغيير نحو الأفضل، بعكس اليهود الذي هم شعب زراعي وصناعي، غير أن الدعوات سقطت وظهر زيفها من خلال العديد من المظاهر التي أثبتت أن فلسطين بلد متقدمة في الزراعة، وتعد المدن الفلسطينية ذات معمار بديع، وفي زيارة لأحد الخبراء البريطانيين إلى فلسطين عبَّر فيها عن زيف ادعاءات أن فلسطين أرض بلا شعب، فقد كتب أنها أرض زراعية وفيها شعب كامل المدنية.

التقت الرغبة الصهيونية والبريطانية مع ضعف القائمين على البلدان العربية؛ وذاك أن اليهود استفادوا من تسهيلات منحها لهم حاكم مصر محمد علي، الذي سَّهل دخول القناصل الأجانب إلى فلسطين، كما أن رجال القصر العثماني قبلوا برشاوى كبيرة لقاء تسهيل إجراءات الشراء والبيع، ورغم إدراك القادة العرب للمخططات الصهيونية، فإن الواقع سبق إدراكهم؛ فنرى أن العرب قبلوا بالنزول عند مطالب البريطانيين بقبول اليهود في فلسطين، وهو ما يعرف باسم اتفاق فيصل وايزمان عام 1921م في باريس، الذي تمخض عن عدد من البنود أبرزها ضمان حقوق اليهود وحقهم في العيش بأرض فلسطين، مع الإصرار أن يكون المقابل إقامة الدولة العربية المستقلة، وإلا تعد الاتفاقية لاغية، كما كتب فيصل بخط يده، فإن غياب الوعي بالدهاء البريطاني نتج منه تضييع إنجازات الثورة العربية الكبرى، ليس فلسطين فحسب، بل تضييع الحلم العربي بأكلمه، فهذا التعاون مهَّد لظهور أمراء وملوك جدد دعمتهم بريطانيا ووجدت فيهم إمكانية لقبول اليهود كجزء من المنطقة.

أما اليوم فإن الدواعي الاستعمارية أصبحت أقل أهمية بسبب ظهور واقع سياسي جديد ألزم الجميع بمعادلة العلاقات المتبادلة على أسس احترام القانون الدولي، كما أن زمن الامبراطوريات قد ولَّى ولو بشكل لحظيٍّ، وبالتالي غاب الهدف في التوسع الجغرافي، أما الهدف الاقتصادي فقد قلَّ باعتبار أن المنطقة بدأت تفقد بريقها بعوامل عدة، أبرزها اكتفاء الولايات المتحدة من النفط كونها أصبحت أكبر منتج له، إضافة إلى توجه الاقتصاد نحو الطاقة المتجددة والاقتصاد الرقمي، وهما جانبان متأخران رغم
توفر العقول والقدرات والإمكانات في المنطقة العربية، وهذا يجعلنا نقول إن إسرائيل أدركت أن حظوتها لم تعد كما كانت لدى أصدقائها الغربيين، مما يحتم عليها رسم وجه جديد لها قائم على السلام مع أنظمة عربية صاعدة لا تجد حرجًا في مصافحة أيادٍ تلخطت بدماء الفلسطينيين على مدار عقود خلت، ومن جهة فإن ضرورة الاعتماد على الذات وضمان التفوق الاقتصادي والعسكري أصبح يحتم عليها إعادة النظر في علاقاتها؛ كون السوق أصبح تنافسيًّا، هذا يدفعنا بالقول إن إسرائيل لا يمكنها الرهان على الغرب كما كانت قبل نصف قرن، وبالتالي فإن خارطة طريقها تفرض عليها التفوق في ظل استمرار الواقع العربي بما بحتويه من عثرات وسلبيات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

إسرائيل, الغرب

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد