هي علاقة من نوع خاص، لا حرب ولا سلام، لا خلاف ولا توافق، حميمية بين الطبقات الجماهيرية، وصعوبة في التعايش بين الأنظمة الحاكمة، جمهورية ثورية متماسكة في الداخل الجزائري وملكية كاريزمية غاية في الصلابة في الداخل المغربي، رئيس قوي امتهن الدبلوماسية قبل نهاية عقده الثاني، وجعل القوى الوطنية من الداخل تتجند لخدمة مشروعه بإدراك أو بغير إدراك، وملك أقل ما يقال فيه إنه من أذكى قيادات المغرب، ورث الكاريزما عن أبيه الحسن الثاني رحمه الله، وتقوت شخصيته الملكية بتأييد جماهيري شحنته قيم سيادية تتعلق بوحدة الأرض المغربية، أمام قوة يرى صانعو القرار المغربيون أنها تحاول بكل قوة تقسيم المغرب عبر دعم جماعة توصف بالانفصالية، وتنعت بحركة تحرر في الأدبيات الجزائرية، هي علاقة معقدة، تختلط فيها مشاعر الصداقة بمشاعر العداوة، لا يمكن إعلان العداوة لأنها مكلفة بفعل توازن القوى، ولا يمكن إعلان الصداقة لأنها قد تسلب كلا النظامين دعمًا صنع عبر نسج خيوط التشنج بين الحكومتين.

إن شكل العلاقة اليوم بين الفاعل الجزائري، والفاعل المغربي، هي الجزء الظاهر من الجبل الجليدي، إذ أنه لا بد من الغوص قليلًا في أعماق التاريخ لفهم الشرارة الأولى، التي أسست لأرضية الخلاف بين الجمهورية الثورية والملكية الكاريزمية، وهنا أؤكد على شكل الأنظمة لأنه لعب دورًا حاسمًا في نحت مشاعر الترفع والاستصغار بين قيادات كلٍّ من البلدين، كما هو معروف، استقلت الجزائر في 1962 عقب ثورة وصل صداها إلى القارات الخمس، في مواجهة قوة استعمارية ساهمت في مرحلة معينة في رسم خريطة العالم الذي نعيش فيه، هذه القوة التي كانت قواتها العسكرية تحتل المراتب الأولى في العالم، لم تكن بمفردها، بل مدعومة بحلف الشمال الأطلسي الفتي آنذاك، ركزت فرنسا كل جهودها على مسح الجزائر من الوجود، وقد ضحت بكل مستعمراتها حفاظًا على الجزائر، لكن ثورة الشعب الجزائري عصفت بخطط فرنسا، وأنجبت جمهورية جزائرية أكثر ما تقدسه سيادتها الوطنية ووحدتها الترابية التي دفعت مليون ونصف مليون شهيدٍ في مقابلها، مع إبداء الاستعداد لدفع المزيد إن اقتضى الأمر، بعد شهور من ميلاد الجمهورية الجزائرية، نشبت حربٌ شهيرةٌ بينها وبين الجارة المغربية صاحبة الكاريزمية التاريخية، ولا يمكن إنكار أنها كذلك كانت يومًا ما صاحبة فضل، حرب مست الجزائر في أكثر مبادئها قداسة وهي المحافظة على الحدود بأي ثمن، لتتابع الأحداث من خلال اتفاقية اعترفت بموجبها المغرب بحدود الجزائر الحالية.

عقب هذا الحدث المحوري، والذي يبدو لي أنه السبب الأول في صناعة الوعي بالخلاف بين النظامين، طفت إلى السطح القضية التي مازلنا نعيشها إلى يومنا هذا، وهي قضية الصحراء الغربية، والتي يتعرض الموقف الجزائري تجاهها لقراءات بعيدة عن الصواب، رغم وضوحه، ولعل أوضح صورة لهذا الموقف جاءت على لسان الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين سنة 1975:

«إننا نؤكد من جديد أن الجزائر ليس لها أطماع ترابية أو إقليمية في إقليم الصحراء الغربية، لكنها لا يمكن أن تتخلى عن مبادئها، ومن حقها أن تنادي بمبدأ تقرير المصير، ولن نكون ضد الأمم المتحدة».

قضية الصحراء الغربية تفرض وجهتي نظر يجب أن تفحص كل منهما فحصًا تاريخيًّا ووثائقيًّا دقيقًا، الأولى متعلقة بأحقية ساكني هذه المنطقة في الاستقلال وبناء دولة كاملة السيادة، ولهذا الرأي مؤيدوه إلى درجة الاعتراف بالجمهورية الصحراوية، أما وجهة النظر الثانية فإنها ترى في الأراضي الصحراوية جزءًا من تراب المملكة المغربية، ومن الطبيعي أن تخضع للتاج وللسيادة المغربية، إذا توقفنا عند هذا الطرح المنصف الذي يضع الموقفين دون حساسية على نفس الطاولة، سؤال يتبادر إلى الذهن، من الجهة المخولة للتحكيم؟ الجواب البديهي هي الأمم المتحدة، إذن قضية الصحراء الغربية باتت قضية مدولة، استقلت بذاتها عن الإرادتين الجزائرية والمغربية، وانتقلت إلى مؤسسة رسمية دولية تملك آليات حل المشاكل وإدارة الأزمات، وفرض الحلول، وهذا ما يجب أن يفهمه الداخلان الجزائري والمغربي.

عوامل أخرى ساهمت في تعميق الشرخ بين الجمهورية الجزائرية والمملكة المغربية، والأمر متعلق ببروز وصعود فواعل تتغذى على هذا الصراع وتستثمر فيه، إذ أنه في الوقت الذي تبرز فيه كيانات تجامل النظام الجزائري بإبداء مشاعر العداوة للمغرب، هناك كذلك كيانات تجامل البلاط الملكي بجعل الجزائر تبدو في صورة سلبية، وبين الموقفين، والفريقين المستثمرين الداخليين والخارجيين، أضحت الطبقات المجتمعية لكلا البلدين مكانًا تشحن فيه طاقة الخلاف، ليصبح الجزائري في مواجهة المغربي، والمغربي في مواجهة الجزائري دون أن يشعرا، سواء على أرض الواقع، أو عبر التواصل الاجتماعي مع أن مشاعر الصداقة تبدو ربما أقوى، فلا عداوة ولا صداقة، أي حسب السياق السياسي وحسب مستجدات السياسة بين البلدين.

هناك حاجة ماسة، وحيوية، لبناء صلح دائم ومستمر بين الجمهورية الجزائرية والمملكة المغربية، صلح ينطلق من التقارب بين الأنظمة، ليتبعه انفراجٌ تلقائي بين الشعبين، بقراءة موضوعية للتاريخ نرى أن الخلاف بين الجزائر والمغرب لا يساوي نظيره الألماني الفرنسي، أو البريطاني الفرنسي لكن الأنظمة السياسية الأوروبية حكمت مصلحة شعوبها وجعلتها أولوية، بينما يظهر العكس في الحالة الجزائرية المغربية، الأكيد أن الصلح بين النظامين وتقاربهما الإيجابي سيحل مسائل عديدة ملحة ما زالت عالقة، كالبناء المغاربي، وحتى القضية الصحراوية ذاتها، فلا يمكن تصور اتحادًا مغاربيًّا قويًّا دون أحد العملاقين المتجاورين، لكن السؤال المطروح هنا، كيف يمكن تحقيق هذا الصلح على أرض الواقع؟

تفعيل الصلح الجزائري المغربي على أرض الواقع يتحمل مسؤوليته الجسد الإعلامي في البلدين، وكذا دوائر المجتمع المدني، فعلى الإعلام أن يقدم قراءات حيادية، مشحونة بنوع من الخطاب الهادئ والإيجابي، وعلى منظمات المجتمع المدني أن تكثف حمالاتها التي تجمع الجزائر والمغرب عبر تظاهرات فنية وجمعوية من شأنها تقريب وجهات النظر، وأن تجنب نفسها أي ألوان سياسية قد تساهم في جعل الخلاف أكثر حرجًا وقابليةً للانزلاق، لأن أي انحراف للخلاف الذي بقي محافظًا على سلميته لعقود سيدفع ثمنه الشعبين، ففي كل صراع رأسي الخاسر فيه الطبقات الدنيا من المجتمع، يراد للجزائر والمغرب، أن تلعبا نفس الدور الذي لعبه الثنائي الفرنسي الألماني في جعل الحلم الأوروبي واقعًا معاشًا علمًا بأن أدوات تكاملنا الرئيسية أقوى من الأوروبية، من تجانس ديني ولغوي وعقائدي، هذه الأدوات التي لا تحتاج سوى لإرادة سياسية لتتحول إلى صرح مغاربي فاعل تزال عبره الحواجز في وجه شعوب المغرب العربي قاطبة، فهل من صلح جزائري مغربي قريب؟

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد