في 19 أكتوبر عام 1954، بعد التوقيع النهائي لاتفاقية الجلاء بين مصر وبريطانيا. سأل صحافي جمال عبد الناصر.

ــ الآن؟

ــ رد جمال قائلًا: والآن يبقى علينا إعادة بناء بلادنا!

وبنفس نبرة التفاؤل قال عبد الحكيم عامر -وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة في ذلك الوقت- عندما سئل عن توقعاته لتعزيز الجيش.

ـــ لن نشترى دبابات، بل سنشترى جرارات فهي أكثر فائدة لنا.

لكن هل تحقق هذا البناء الذي تحدثوا عنه، بمجرد توقيع قصاصة ورق مع المستعمر (العدو)؟!

وهل الحرية مرتبطة بجلاء المستعمِر فقط؟

بالتأكيد الأمر ليس بهذه السهولة؛ خاصةً عندما يتحول المستَغلون القدامى إلى مستِغلين جدد!

فما الفائدة من أن يثور المرء على حكمًا ديكتاتوريًّا حتى يقيم حكم أكثر ديكتاتورية؟! وذلك ما قام به عبد الناصر وأعوانه -بعد ثورة 23 يوليو وجلاء الإنجليز-، وأدى نظام الحكم في النهاية إلى حدوث النكسة 1967 أو (حرب الأيام الستة).

فمنذ ذلك الوقت وحتى الآن ونحن نسير على نهج الطريقة الأورويلية:

«لا بد أن يكون دافع الاضطهاد هو الاضطهاد ودافع السلطة هو السلطة».

والحرية الزائفة التي لم تكن إلا «مجرد حبر على ورق» في الماضي، أصبحت مجرد «شعارات رنانة» بعد ثورات الربيع العربي.

ما أسباب تلك الدائرة المفرغة التي ندور في فلَكِّها دون الإحساس بالسأم والتعب؟!

للإجابة على هذه الأسئلة لا بد أن نقتبس بعض ما قاله رئيس وزراء الهند «جواهر لال نهرو» في مؤتمر باندونج عام 1955. عندما أثار فزعه تردد كلمة حرية واستقلال عشرات المرات، من ممثلين الدول التي حصلت على الاستقلال حديثًا.

مما جعله يسرد أسباب فزعه، و كأنه «ضرب الودع» وعرف ما سوف تؤول إليه الأحداث في المستقبل؛ بل كان عنده القدرة أن يذكر كل الأطراف التي سوف تشترك بطريقة حتمية في الصراع!

ماذا تعرفون عن الحرية والاستقلال؟

بعد أن طرح هذا السؤال استهل كلامه قائلًا:

تطلبون الاستقلال، حسنًا. وتطلبون الحرية، حسنًا أيضًا. سوف يعطونكم ما تطلبون. وسوف يوقعون معكم على قصاصات ورق. لم يعد في ذلك شك لأسباب كثيرة. أولها أنه لم يعد في مقدورهم أن يسيطروا عليكم بقوة السلاح. ولسبب ثانٍ بعده، وهو أنهم لم يعودوا راغبين في السيطرة عليكم بقوة السلاح.

ثم أضاف: إذن سوف يتنازلون «قالها بسخرية» ويوقعون معكم قصاصات ورق. حسنًا، ماذا بعد ذلك؟!

قصور محصنة للحماية من عداوة الشعب وليس من الأخطار الخارجية!

سوف تتولون المسئولية. سوف تجدون أنفسكم رؤساءً لشعوبكم. لديكم قصور رئاسية. ولديكم حرس وناس، ولديكم سيارات رئاسية وربما طائرات. ليس هذا هو المهم؟

هل ستجدون لديكم سلطات رئاسية؟ لست متاكدًا. سوف تجدون سلطة على رعايكم ولكن لن تجدوا لأنفسكم سلطة على غيرهم.

المطالبة بالحرية

رعاياكم سوف يطلبون منكم «جوائز» الاستقلال. من حقهم أن يتوقعوا تحسن أحوالهم بعد الاستقلال، فهل لديكم ما تعطونه لهم؟

أشك كثيرًا. لماذا؟

لأنكم جميعًا منهوبون. مواردكم نهبت فعلًا أو هي مربوطة بنظم دولية تواصل عملية نهبها!

إذا لم تكن لديكم سلطة غير سلطتكم على رعاياكم، وإذا كان هؤلاء سوف يطالبونكم بما سوف تكتشفون أنه غير موجود، فماذا ستفعلون؟ تغيرون اتجاه سلاحكم من أعدائكم القدامى إلى أعداء جدد سوف ترونهم داخل بلادكم.

سوف تجدون في بلادكم طبقات أكثر قوة من جماهير شعوبكم؛ لأنهم تعلموا كيف يتعاملون مع النظام، وفي ظله وحماه كونوا ثروات ورتبوا مصالح. إلى من سوف تنحازون؟ إلى القلة القوية أو إلى الأغلبية المقهورة؟

الأقليات

لاحظوا أن حقوق الحرية التي طالبنا بها وناضلنا من أجلها كأوطان سوف تحدث أثرها في داخل هذه الأوطان نفسها.

بمعنى أن جماعات كثيرة داخل أوطانكم سوف تطالب بحقوق في الداخل سكتت عليها؛ لأنها اختارت ألا تكسر الوحدة الوطنية في ظروف المطالبة بالاستقلال، لكنها بعد توقيع قصاصة الورق سوف تجد أن الفرصة ملائمة لتطالب.

أقليات عرقية وعنصرية ودينية سوف تطالب بترتيبات خاصة. نوع من الحكم الذاتي. نوع من تحقيق الهوية الذاتية. وربما يكون هناك تشجيع من قوى السيطرة القديمة، فقد تعلمت بتجربتها أن تتعامل مع الأقليات من كل نوع.

مشاكل حدودية

سوف تجدون أنفسكم بعد الاستقلال في مشاكل حدود مع جيرانكم. خرائط معظم بلدانكم جميعًا خرائط جديدة رسمها الاستعمار. في بعض مناطق أفريقيا تحددت خطوط الحدود بالنقطة التي وصل إليها رحالة هذا البلد، أو شركة من بلد آخر، أو حامية عسكرية من هنا أو من هناك!

وماذا ستفعلون؟ هل ستدخلون بعد الاستقلال في حروب مع جيرانكم.. مع بعضكم؟

بعد ذلك السرد التشاؤمي لم يتركنا «نهرو» دون أن يقدم لنا السبيل الوحيد لتحقيق الحرية والاستقلال.

فقال: إن السيطرة الجديدة لن تكون بالجيوش، ولكن بالتقدم. أنتم متقدمون إذن فأنتم سادة. أنتم متخلفون إذن فأنتم مقهورون مهما وقعتم من قصاصات ورق، ومهما رفعتم من قصاصات قماش سميتموها أعلامًا.

مما سبق نستطيع أن نعرف من أين جاء هذا الإرث الهائل من الهراء؛ الإرث الذي تكوّن في الماضي بسبب الحصول على الحرية من قصاصة ورقة فقط.

لكى نصل الآن -بعد ثورات الربيع العربي- إلى تلك النزاعات؛ التي لم تعطنا الحرية، ولكن أعطتنا شعارات رنانة فقط!

 

ملحوظة: الاقتباسات المتعلقة بما قاله «جواهر لال نهرو» من كتاب «زيارة جديدة للتاريخ» لـلكاتب «محمد حسنين هيكل».

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

حرية, شعارات
عرض التعليقات
تحميل المزيد