‫الفساد‬

قال الله عز وجل في محكم آياته:

(ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون).

الفساد تتنوع تعريفاته ومفاهيمه وأدواته ومعاييره وأهدافه، ويعرف الفساد السياسي بمعناه الأوسع بأنه إساءة استخدام السلطة العامة (الحكومية) لأهداف غير مشروعة وعادة ما تكون سرية لتحقيق مكاسب شخصية.

كل أنواع الأنظمة السياسية معرضة للفساد السياسي الذي تتنوع أشكاله، إلا أن أكثرها شيوعًا وانتشارًا خاصة في الدول العربية هي المحسوبية والرشوة والابتزاز وممارسة النفوذ والاحتيال ومحاباة الأقارب.

كما جاء بمعجم أوكسفورد الإنجليزي تعريف الفساد أنه «انحراف أو تدمير النزاهة في أداء الوظائف العامة من خلال الرشوة والمحاباة».

100916_1528_1.jpg

وقد يعني الفساد التلف إذا ما ارتبط المعنى بسلعة ما وهو لفظ شامل لكافة النواحي السلبية في الحياة.

ويصبح الفساد بمفهومه العام هو التغير من الحالة المثالية إلى حالة دون الحالة المثالية والكمال لله عز وجل  بمعنى التغير للأسوأ، ويكون هنا ضد الإحسان وضد التحول أو التغير إلى الحالة المثالية.

تفشي الفساد

إن انتشار الفساد في النظم كفيل بإثارة الشعوب عليها ورفع حالة الاحتقان الشديد لها بسبب الضغوط المتزايدة على كاهل الشعوب وعدم توافر الخدمات نظرًا لانشغال النظم الفاسدة بمكتسباتها ومصالحها، وذلك يكون على حساب مصالح الشعوب وتوفير احتياجاتها ومتطلباتها. ومع استشعار هذه الأنظمة بحالة الاحتقان والضغوط المتزايدة على الشعوب يلازمها حالة من الفزع والرعب من رفض الشعوب لها، ودائمًا تنتظر غضب الشعب والإعلان عن رفضه واحتقانه لهذه الأنظمة والثورة عليها. فتسعى جاهدة للسيطرة على الشعوب بكل ما لديها من إمكانات لتغييبه وجعله مهيأً لتحمل كل الضغوط وكأنها الحل الأفضل لما هو غيب بالنسبة له.

100916_1528_2.jpg

فيشغله دائمًا بحالات دول أسوأ منه حالًا ودول غير مستقرة وبها صراعات أو فتن مفتعلة أو حقيقية أو إلهائه بتوفير الأمان له، وكأن تغيير هذا النظام سيصاحبه حالة من الفراغ المتسبب في دخول الشعب في الفوضى واللانظام والبلطجة والإرهاب وغيرها من مصطلحات باتت مقززة وتثبت عكس ما تروج له هذه الأنظمة. فهذه الأنظمة تعيش في وهم الكذبة المفتعلة وأقنعت الشعوب بها ولكن مع طول الوقت حول هذه الأكاذيب المتكررة تظهر ضعف الأنظمة في حل هذه الفزاعات والتصدي لها. وتكون تلك الأكاذيب حجة عليها لا لها بمعنى أنها غير قادرة على إنهاء هذه الحالة من الأكاذيب وبات الأمر لا يدع بديلًا إلا تغيير هذه الأنظمة أملًا في نظم جديدة بفكر جديد قادر على حل كل تلك المعضلات.

الفساد وانعكاسه على الأنظمة والشعوب

100916_1528_3.jpg

إن الفساد بكل أنواعه وتعريفاته ومفاهيمه المختلفة أصبح سببًا قويًا لإسقاط أقوى النظم وأعتاها مهما طال زمن حكمها واستبدادها وطغيانها وهيمنتها على مقدرات الشعوب. ذلك لأن الشعوب تشعر بشكل مستمر بحالة الترف الذي تعيشه تلك الأنظمة من رفاهية وارتفاع كبير في الدخول والعيش ببذخ وسيارات فارهة وفيلل وقصور وممتلكات. مع إفقار الشعوب والاستشعار المتنامي بالحاجة وصعوبة الحياة وزيادة الأعباء بشكل تتحمله الشعوب في البداية بنسبة ما. وذلك لسببين؛ الأول ثقة في النظم الحاكمة أنها تخاطب الشعوب الفقيرة وتهتم بمتطلباتها وتسعى لرفع مستوى معيشتها فتعطيه الوقت والصبر والتحمل، والثاني أملًا في تغيير حالته المعيشية ورفع حالة الضغوط المتراكمة عليه نتيجة فشل الأنظمة السابقة وفسادها. ومع مرور الوقت وملاحظة ازدياد الرخاء لدى الأنظمة وتفشي الفساد بشكل أكبر من احتمال الشعوب له وازدياد الضغوط عليه ورفع حالة الاحتياج وتزايد المطالب والمتطلبات، يتحول الشعب لحالة عدم الرضاء وهي بداية إثارة حالة الغضب الشعبي تجاه النظام الفاسد المستبد.

عنجهية وكبرياء الأنظمة الاستبدادية

100916_1528_4.jpg

نظرًا لأن الأنظمة الفاسدة تحافظ على بقائها ومكتسباتها أكثر مما تهتم بأي شيء آخر، ولا تلتفت إلى حالة الشعوب ومعاناتها بل تعتبر أن عدم ارتضاء الشعوب لفسادها وقصورها في إدارة الدولة وتحمله لكل هذا التدني والأعباء والمعاناة هو قصور من الشعب وعدم فهم ووعي منه للظروف التي تمر بها البلاد. وكأن هذه الظروف بالضرورة ألا تنعكس إلا على الشعوب وفقط، أما الأنظمة التي تصدر أنها تعيش المعاناة وويلات تحمل أعباء وإرضاء وتوفير متطلبات الشعوب فهي في الحقيقة تتاجر بتلك المعاناة التي هم بالأصل السبب فيها بشكل مباشر. ولكن مع تزايد هذا الاحتقان ترتفع حالة الغضب لدى الشعوب بمختلف تنوعها الفكري والاجتماعي بسبب انتقال المعاناة من فئة إلى أخرى، حتى تضرب وتؤثر في كل الفئات ويصبح المشترك بينها هو المعاناة، والسبب أو الهدف المتسبب في هذه المعاناة المتنامية الفساد والداعم له النظام الفاسد المستبد. وهنا يصبح أمام الشعب حل وحيد لا بديل له وهو الثورة وإعلان الرفض لهذا النظام والمطالبة برحيله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الفساد
عرض التعليقات
تحميل المزيد