بدون مقدمات أو فلسفة، نحن مستمرون في الصراع في محاولة للظفر برئيس وزراء يدير شؤوننا البسيطة – ملفات الصحة، أزمة كورونا، الموازنة التي تعطلت مصالح الناس بسبب عدم إقرارها، النفط، التعيينات والبطالة، الخدمات – لا نتحدث عن أمور الفساد والعقود وتسوس نخر في بنية الدولة، فقط وببساطة لتسيير أمور الناس، لكن وللأسف من ذا الذي يهتم لمساكين الشعب وحياة الناس أمام الأموال والمصالح والمكتسبات والنفوذ.

يخرج أحدهم – مسؤول كتلة أو زعيم حزبي أو رئيس «إحدى فرق المقاومة» – على الملأ في وسائل الإعلام يتحدث فيها عن النزاهة والوطنية، ويرفض المرشح فلانًا ويؤيد المرشح علانًا – سائقًا التهم بالقوانة الدائمة – وتهمة الرفض تنفيذ مشروع أمريكا مثلًا أو مشروع إيراني، ألا تعسًا لحالة الاستخفاف بالعقول والملل الذي نعيشه بسماعنا الحيل نفسها والأقاويل من كبار العرابين السياسيين، صدق من قال : «يردد المرء كذبته مرة فيعرف أنه يكذب ولا يصدقها، ويرددها ألف مرة فيقولها وهو مؤمن بصدقها».

أتساءل، هل تعتقد أن أي مرشح مستقل لا ميول ولا ولاء له سينال رضا أعضاء البرلمان – الذين فاز معظمهم بالتزوير ونفوذ السلطة بالمقاعد – للحصول على منصب رئاسة الوزراء أو تشكيله؟ من هذا الساذج الذي يعتقد بذلك – عذرًا على الوصف لكن الحال يجبرني – تاريخ العراق يروي أن هذا البلد المغضوب عليه ساحة نفوذ لأقطاب مختلفة، وما أتت سلطة أو حكومة وتولت القرار فيه إلا عن طريق موافقة أو مباركة أحادية أو مشتركة – وهذا في الغالب – من أقطاب قوى التصارع عليه، شاهدْ ما صرح به توفيق علاوي المكلف الأول لتشكيل حكومة العراق أو الزرفي المكلف الحالي لتشكيلها وقيِّم أنت كلامهما. ستجد أن ثقتيهما مهزوزة أمام أي سؤال أو كلام عن أمريكا وإيران والصراع بينهما.

 وأيضًا لن تسمع شيئًا عن حصر السلاح بيد الدولة وفرض القانون، أو آلية تجعلك تصدق ما يقولان أو لم يتحدثا عن اصطياد حيتان الفساد من جوف البحر الهائج، ورميهم في مشابك القانون والعدالة. وسترى أن الحديث يتركز على تحسين الخدمات، وربما ايجاد حل للبطالة وإنعاش الملف الاقتصادي، وأيضًا تطرح تلك الملفات من دون آلية عمل واضحة – كيف يمكن أن تحدث إنجازات في ملفات الاقتصاد والخدمات والبطالة، وأفواه السراق مفتوحة لالتهام أموال الناس – ولا نتحدث هنا عن أنها حكومة مؤقتة يراد منها تجهيز أرضية لإجراء انتخابات مبكرة، وأي أرضية هذه المراد تجهيزها وأشكال السياسة ذاتها نراها في الصبح والمساء وعلى الفطور والغداء والعشاء.

ولأعود إلى الميول الإقليمي والأجندات الخارجية، في الآونة الأخيرة تركز الصراع بين جارتنا الشرقية وعابرة القارات الولايات المتحدة بشكل واضح في العراق، كالشمس يشاهدها الناس لا غربال يغطيها – وتعسًا مرة ثانية لشرف تتحدث عنه العاهرات وسيادة يتحدث عنها سياسيون – ولا أحد بكل ما في الكلمة من معنى يستطيع منع ذلك، ولو حتى بالكلام أضعف الإيمان. فكيف بتشكيل حكومة مستقلة غير خاضعة لأجندة خارجية!

وحتى أغادر دائرة الحديث عن مشكلة استقلالية الحكومة نفسها وتشكيلها بقرار وطني، أرى أن حلين عصيين يحفظ شرف سياستنا ورجالها «الطاهرة»، أولهما وحدة القرار – استحالة حدوث ذلك – الشيعي والسني والكردي، والاتفاق على إبرام تحالف مع إحدى الدول، أمريكا أو إيران، أو عسى أن تكون موزمبيق حتى؛ لكي نضمن من تحالفنا مع الحليفة الدفاع عن سيادتنا أمام الأعداء الآخرين، واستخدام هذا الحل من سابع المستحيلات؛ كون الأحزاب العراقية زادها يتمثل بالولاءات الخارجية المختلفة.

أما الحل الثاني وهو خارج عن إرادتنا، وذلك بتوافق الدولتين عطفًا وحنية على مساكين الشعب العراقي، متفضلين من أجل صعود شخصية على مستوى عالٍ من النزاهة فقط، وليست الاستقلالية مع ضمان مصالحهما. وبكلتا الحالتين لن يكون لا رئيس الوزراء الذي سيشكل الحكومة، ولا وزراؤه مستقلين، وبكل الأحوال لن تكون أي حكومة سَتُشكل على قدر من النزاهة لعدم وجود وطنيين يحملون هموم الشارع، ولا يرون في أموال الدولة العراقية مكاسب يجب الاستيلاء عليها.

وأخيرًا، تخيلوا مئات الرجال  الأشرار ممن لا تلزمهم حدود أو أعراف أو أخلاق، تتوسطهم امرأة ضعيفة القوة، جميلة المظهر، وغنية المال، هل يعقل أن تكون عذراء؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

يعقل
عرض التعليقات
تحميل المزيد