في يوم الخامس والعشرين من يناير عام 2011 اندلعت تظاهرات متفرقة في شوارع مصر تركّزت أغلبها في القاهرة وتحديدًا في ميدان التحرير الواقع في قلب القاهرة والقريب من منشآت حكومية مهمة مثل وزارة الداخلية ومجلس الشعب ورئاسة مجلس الوزراء، وتزامن اندلاع هذه التظاهرات مع ذكرى عيد الشرطة والموافق يوم الخامس والعشرين من يناير عام 1952.

بدأت التظاهرات في هذا اليوم بداية سلمية إلى حدٍ كبير, حيث خرجت مجموعات ليست بالقليلة واحتشدت بميدان التحرير ورفع المتظاهرون حينها عدة شعارات كان أبرزها «عيش – حرية – عدالة اجتماعية» ومطالب أخرى منها القضاء على الفساد ووقف مشروع «التوريث» المزمع تنفيذه والمقصود بذلك هو تولّي نجل الرئيس الأسبق «حسني مبارك» وهو «جمال مبارك» الحكم بعد مدة حكم الرئيس, وكان المقصود باختيار ذكرى عيد الشرطة للنزول إلى الشوارع هو اعتراض قطاعات عريضة من الشعب المصري على الأساليب التي تنتهجها الشرطة ضد المواطنين مثل التعذيب في الأقسام والسجون واعتقال المواطنين بمجرد الاشتباه تحت ستار قانون الطوارئ والمعمول به طيلة فترة حكم الرئيس الأسبق مبارك.

واستمرت المواجهات بين الشرطة والمتظاهرين لمدة يومين حتى يوم الثامن والعشرين من يناير والذي أطلق عليه الداعون للتظاهر «جمعة الغضب», وبعد أداء صلاة الجمعة ورغم دعوة الأمين العام للحزب الوطني الديمقراطي (المُنحل بحكم قضائي الآن) والذي كان يشغل هذا المنصب آنذاك «صفوت الشريف» لعدم التظاهر وأن يمرّ يوم الجمعة بسلام وفي هدوء, إلا أن مؤيدي التظاهرات والمنظمين لها رفضوا مثل هذه الدعوات ونزل إلى الشوارع المصرية أعداد غفيرة قدّرتها بعض الإحصائيات زُهاء المليوني مواطن وعقب خروج المُصلّين من المساجد شرعوا في الاحتشاد أمام المساجد والتوجه إلى الميادين الرئيسية في القاهرة وكان قبلتهم الأساسية هي ميدان التحرير.

ومع بدء التظاهرات وقت الظهيرة تسارعت الأحداث بشكل مفاجئ ووقعت اشتباكات عنيفة كانت أشبه بحروب الشوارع بين المتظاهرين وقوات الشرطة التي تمركزت في الشوارع الرئيسية واحتدمت الأحداث مع اقتراب المساء وقام مثيرو الشغب الذين اندسّوا بين المتظاهرين بحرق أكثر من 90% من سيارات الشرطة والأمن المركزي والأقسام وعدد قليل من مديريات الأمن وأشعلوا النيران بها وانتشرت أعمال السلب والنهب بشكل مُخيف حتى المساء، بل وقام عددٌ من الغوغائيين باقتحام مبنى المُتحف المصري في ميدان التحرير والقريب من مبنى الحزب الوطني والذي كان قد تم حرقه بشكل كامل من قِبل عدد من المتظاهرين, وقام هؤلاء بتدمير أغلب محتويات المُتحف وعدد من التماثيل الفرعونية غير آبهين بقيمة ما يحطمونه.

مع زيادة حدّة الاشتباكات وحدوث انهيار تام للشرطة أصدر الرئيس الأسبق «مبارك» بصفته الحاكم العسكري قرارًا بحظر التجوال لمدة تزيد عن اثنتي عشرة ساعة وكذلك قرارًا بنزول القوات المُسلحة وانتشارها في كافة أنحاء الجمهورية بحيث تتولّى مهام الشرطة في فرض الأمن والنظام والسيطرة على الأوضاع المُشتعلة.

بعد مرور ما يقرب من 18 يومًا خرج اللواء «عمر سليمان» والذي عيّنه مبارك نائبًا له عقب الأحداث, خرج وأصدر بيانًا يُعلن فيه قرار مبارك بالتخلّي عن السُلطة وتكليف المجلس العسكري بإدارة شئون البلاد. منذ تنحي مبارك شهدت مصر أسوأ فترة في تاريخها, فبعد تنحّي الرئيس الأسبق مبارك بدأت قوى سياسية كانت محظورة إبّان عهد مبارك بالظهور وكان أبرز هذه القوى جماعة الإخوان المسلمين وغيرها من الحركات الإسلامية سواء المرتبطة بها فعليًّا أو التي تنتهج نهجها لكن غير مُرتبطة بها بشكل واضح, بعد تنحي مبارك وحدوث انهيار كامل  في المؤسسة الأمنية أو جهاز الشرطة شهدت مصر موجات من العنف وغياب الاستقرار والفوضى غير مسبوقة وبدأت الجماعات والأحزاب في الظهور بشكل تدريجي على الساحة السياسية مُحاوِلة فرض أفكارها وأيديولوجياتها على المجتمع المصري والدولة. منذ يوم الحادي عشر من فبراير وهو اليوم الذي تنحّى فيه مبارك, وتزامنًا مع غياب الاستقرار السياسي والأمني بدأ السائحون في مغادرة مصر وتراجع مُعدّل السياحة بشكل كبير وقام معظم المستثمرين العرب والأجانب بإبداء قلقهم من ضبابية الأوضاع في مصر والتهديد بسحب استثماراتهم.

شهدت مصر خلال الفترة منذ تنحي «مبارك» وحتى تاريخ كتابة هذا المقال مشكلات جمّة أبرزها التناحر والشدّ والجذب بين الأطراف والجماعات السياسية والدينية تحديدًا جماعة الإخوان المسلمين  والتي كانت محظورة إبّان عهد مبارك والأحزاب السياسية وعدد ممّن أطلقوا على أنفسهم شباب الثورة، وبدأ في الظهور على  الساحة السياسية ائتلافاتٌ ثورية كثيرة كلٌ منها لديه أفكاره وآراؤه التي يعتزم تطبيقها على أرض الواقع, كما عانت مصر من ويلات  الانقسامات السياسية والاستقطاب.

إن أحداث يوم «جمعة الغضب» كان لها أكبر الأثر فيما عانت منه مصر من الفوضى واندلاع أعمال العنف وازدياد وتيرة أعمال البلطجة وقطع الطرق وقيام عدد كبير من الأشخاص بالاستيلاء على أرصفة وشوارع الميادين الرئيسية وهم من تمّت تسميتهم بالباعة الجائلين حيث قام هؤلاء بوضع منتجاتهم على أرصفة العديد من الميادين المهمة والرئيسية مثل ميدان رمسيس وأغلب شوارع منطقة وسط البلد، مما تسبّب في إعاقة حركة المرور وحدوث حالة من الركود للمحال التجارية في هذه المناطق الحيوية, وبعد وصول جماعة الإخوان إلى الحُكم والسيطرة على أغلب مؤسسات الدولة حيث تولى أحد أعضاء جماعة الإخوان وأحد أعضاء حزب الحرية والعدالة – الذراع السياسية للإخوان – وهو محمد مرسي فقد تمَ انتخابه رئيسًا للجمهورية بنسبة مئوية زهاء 52% مقابل غريمه «أحمد شفيق» – آخر رئيس وزراء في عهد مبارك – وبلغت نسبة حصوله على الأصوات 48%.

شهدت فترة حكم «محمد مرسي» أوضاعًا سياسية واقتصادية بالغة  الدِقّة والصعوبة فكانت مُعدلات السياحة في تراجع مستمر ومعدلات نمو لم تتجاوز 3% وحدوث أزمات في الوقود وانقطاعات مُتكررة للكهرباء وتزايد مستويات العنف بين المواطنين أنفسهم من ناحية وبين الشرطة والمواطنين من ناحية أخرى، وكانت أبرز أحداث العنف التي شهدتها مصر خلال تلك الفترة العصيبة ما عُرف آنذاك بـ«أحداث الاتحادية» ووقوع حالات وفيات عديدة وسقوط العديد من الجرحى نتيجة هجوم أنصار مرسي والإخوان على معتصمي الاتحادية.

إن أحداث العنف التي عايشتها مصر خلال حكم «مرسي» فرضت على جميع القوى السياسية أن تتّحد وتتكاتف تحت مظلّة سياسية واحدة عُرفت وقتها بـ«جبهة الإنقاذ» وكانت تضم أغلب الشخصيات العامة أبرزهم محمد البرادعي وحمدين صباحي وعمرو موسى وغيرهم من الشخصيات العامة وقياداتٍ حزبية وسياسية شهيرة, مع مرور الوقت اكتسبت «جبهة الإنقاذ» شعبية كبيرة بين المواطنين, ومع تصاعد الغضب الشعبي تجاه حكم جماعة الإخوان والرئيس محمد مرسي, خرج من بين الشعب مجموعة من الشباب أطلقوا على أنفسهم «حركة تمرد» وبدأ هؤلاء الشباب بتكليف معاونين لهم بتوزيع منشورات في أغلب أنحاء الجمهورية تطالب المواطنين بالنزول للتظاهر والتجمع في يوم الثلاثين من شهر يونيو، والذي يتزامن مع ذكرى تولي «مرسي» السُلطة في نفس اليوم في عام 2012, واستجابت قوى سياسية عديدة وخرج إلى الشوارع والميادين حشود غفيرة قدّرها البعض بالملايين تُطالب بتنحي مرسي وإسقاط حكم جماعة الإخوان, وخرج بيانٌ من الجيش يُمهل الكل يومين فقط للخروج من الأزمة لكن دون أن يستجيب أحد من القيادة السياسية، وفي يوم الثالث من يوليو خرج وزير الدفاع المشير «عبد الفتاح السيسي» – الذي عيّنه مرسي – يُعلن عزل الرئيس محمد مرسي وتولي رئيس المحكمة الدستورية الحكم, وفي عام 2014 تولى المشير السيسي السُلطة بعد عملية انتقال سلسة داخل المحكمة الدستورية العُليا. بعد توليه مقاليد الحكم اتخذ «السيسي» نهجًا جريئًا في عملية صنع القرار وتنفيذه ومع تاريخ كتابة هذا المقال أي بعد مرور ما يقرب من عامين اتخذ الرئيس قرارات مهمة وحيوية وصفها البعض بالجريئة وغلب على هذه القرارات الطابع الاقتصادي، تمثّلت في تنفيذ خطة لرفع الدعم تدريجيًا وتحرير سعر صرف الجنيه المصري ليصل أمام الدولار الأمريكي في البنوك إلى 13 جنيهًا. كان إصدار هذه القرارات الأخيرة قد تسبب في زيادة جنونية للغاية في أسعار السلع الغذائية والأجهزة الكهربائية وارتفاع غير مسبوق لأسعار السيارات والعقارات ومواد البناء.

على الرغم من مرور ما يقرب من خمسة أعوام على تنحي الرئيس الأسبق «مبارك» إلا أن نسبة كبيرة من الشعب المصري ما زالت تتحسر على عهد مبارك لا سيما بعد ما وصلت إليه الأوضاع داخل البلاد ولا يمكن تجاهل تعرض الدولة لعمليات إرهابية قوية خلال هذه المدة الزمنية حيث كان جنود الجيش والشرطة هدفًا رئيسًا للإرهابيين واستشهد المئات من مجندي وضباط الجهازين ناهيك عن حالة الفوضى في مصر وزيادة أعمال البلطجة وتراجع شبه حاد للسائحين وتحديدًا بعد حادث سقوط الطائرة الروسية في وسط سيناء وغير ذلك من المظاهر السيئة التي جعلت المصريين يتمنون عودة عهد مبارك وحكمه وما شهده من استقرار سياسي واقتصادي وأمني والذي تلاشى تمامًا منذ يوم «جمعة الغضب» في عام 2011 وحتى الآن.

في النهاية, إن المصريين لم يتمنوا عودة مبارك للحكم لأنهم يحبونه ولكن ما يحدث في الآونة الأخيرة قد يدفعهم ليس فقط للتمني بعودة  فترة حكمه بل قد يتجه المصريون للاحتشاد مرة أخرى في الميادين لكن هذه المرة للمطالبة بعودته لسُدة الحكم وليس إسقاطه مثل ما كانوا يطالبون به في ثورة الخامس والعشرين من يناير.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد