قبل ظهور علم الجينات كان المزارع ينتقي أفضل سلالاته في الماشية ويقوم باستيلادها بغية الحصول على سلالة قوية، وكذلك الحال في تحسين المحصول.

التحسين الوراثي لم يتوقف على الماشية أو المحاصيل الزراعية، بعض المجتمعات منذ الأزل تمارس الانتخاب الوراثي بشكل أو بآخر مخفي بغطاء الأعراف أو التقاليد أو غيرها للحصول على ذرية قوية.

من غير النادر أن نجد زواج السمات المرغوبة ببعضها البعض مثل الصحة والقوة والجمال بالنفوذ المالي.

كان الجميع يعرف أن صفات الأبوين تنتقل إلى الذرية دون الحاجة إلى فهم كيفية انتقال السمات أو الصفات، ولكن الآن زادت الأبحاث ولم تتوقف محاولة الفهم عند السمات الجسدية، بل بات لدينا ما يُعرف بعلم الوراثة السلوكي (والذي يبحث في إمكانية انتقال بعض السمات السلوكية مثل الآراء السياسية والنزوع إلى سلوك معين من جيل لآخر) وعلم النفس النشوئي الذي يبحث في آليات انتقال هذه السمات السلوكية.

إحدى القصص الكبيرة التي حدثت في عام 2018 كانت هى إعلان عالم صيني عن خبر ولادة أول طفلتين (توأم) بتعديلات جينية.

هي جيانكوي كان قد فاجأ العالم بإعلانه عن الخبر عن طريق فيديو لوكالة «الأسوشيتد برس – (Associated press)» نُشر بتاريخ ٢٥ من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

ثم في القمة الدولية الثانية لتعديل الجينات البشرية (second international summit on human genome editing) والتي عقدت في هونج كونج (٢٧ : ٢٩ نوفمبر) وضح أن الفتاتين اللتين تم تغيير جينهما للحد من خطر الإصابة بفيروس نقص المناعة المكتسب قد ولدتا بصحة جيدة مثل أى أطفال آخرين، كما كشف أيضًا عن امرأة آخرى تشارك في التجارب ما زالت في المراحل المبكرة من الحمل.

الفتاتان لولو ونانا (ليست أسماؤهما الحقيقية) ولدتا لمارك وجريس عن طريق (IVF) أى عن طريق الأنابيب، الأب مصاب بفيروس نقص المناعة المكتسب في حين أن الأم لا تحمله.

كان الإخصاب بالطريقة التقليدية للتلقيح خارج الجسم، إلا أن عند تخصيب البويضات بالسائل المنوي، وقبل إدخال البويضات إلى رحم الأم استخدم فريق جيانكوي البحثي أداة من أدق أدوات التعديل الجيني وأكثرها فاعلية تسمى (CRISPR/Cas9) كريسبر/كاس ٩، والتي قامت بتعطيل جين (CCR5) في البويضات المخصبة.

يحتاج نقص المناعة للدخول إلى خلايا الجسم لنوعين مختلفين من المستقبلات (بروزات بروتينية توجد على أسطح خلايا الجسم) وهما (CD4 وCCR5) ترتبط بهما بروزات بروتينية أيضا توجد على سطح الفيروس «virus antigen»، أي أن تعطيل الجين المسؤول عن إنتاج مستقبلات (CCR5) يؤدي إلى حماية الجسم من الإصابة بالفيروس.

دافع جيانكوي عن تجربته بأنها تحمل الأمل في حماية الأطفال المعرضين للإصابة بالفيروس في البلاد النامية والتي قد لا يتحمل أفرادها تكلفة التلقيح ضد الفيروس.

قوبلت التجربة بهجوم شديد من العلماء لأسباب مختلفة منها العلمية ومنها الأخلاقية، فعلى الرغم من أن تعديل الحمض النووي الأجنة قد يسمح للآباء والأمهات الذين يحملون طفرات مسببة للأمراض بالحصول على أطفال أصحاء، إلا أن هذا التعديل، سواء للأجنة، أو الأمشاط، يشكل مخاطر ليس لأحد دراية بها.

هناك مخاوف من احتمال حدوث تغييرات في بعض الجينات الآخرى عن طريق الخطأ؛ وبالتالي ظهور أمراض أخرى، وسمات أخرى غير مرغوبة ليست للطفل فقط، ولكن تتوارث في الأجيال اللاحقة.

يبدو أنه أصبح هناك ضرورة تستدعي وضع معايير يلتزم بها الجميع في التجارب السريرية للتعديلات الجينية مثل وجود رقابة صارمة للتجارب ولأغراضها، وأن تكون الحاجة الطبية ملحة لإجراء تجربة ما، وغياب البدائل المعقولة والآمنة والمعروف مخاطرها، ووجود خطة متابعة على المدى البعيد لدراسة ما قد يطرأ.

دعونا نفترض أنه في  وقت ما بعد تخطي المشكلات الأخلاقية المرتبطة بها ستصبح أدوات التعديل الجيني شائعة لعلاج الأمراض المرتبطة بالجينات.. هل ستتوقف عند هذا الحد؟

ماذا لو كان بإمكان العالم استخدام تطبيقات الهندسة الوراثية والتعديل الجيني ليس للحصول على أطفال أكثر صحة فقط، بل ويحملون صفات معينة مرغوبة من الوالدين مثل معدل الذكاء العالي لضمان فرص أكثر في الحياة؟

ماذا لو سارع كل والدين لتعديل جينات أجنتهم حسب المفاهيم السائدة وقتها أو معايير الجمال المعتمدة حينها لتولد أجيال كاملة بعيدة عن التنوع وتفقد المجتمعات البشرية أحد أسباب قوتها وهو الاختلاف؟

ماذا لو لم يكتف الجميع وقتها بالسمات الجسدية، بل امتد التطبيق إلى الجينات المؤثرة على السلوكيات لأفراد أكثر سعادة مثلًا.

يبدو ضربًا من الخيال الآن التفكير في هذه الأمور، ولكن منذ قرن من الزمان كان التفكير في تعديل جينات الجنين قبل ولادته جنونًا أيضًا، ولكن اتفقنا أو اختلفنا على تبعات التعديل الجيني، إلا أنه يحمل أملًا عظيمًا لعلاج بعض الأمراض التي لا علاج لها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

علوم

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد