يستجد هذه الأيام ببلدنا الحبيب المغرب الحديث عن “الاستحقاقات” القادمة، وكأن السنين الخمسين السابقة بوعودها “المولوية” السخية طويت إلى غير رجعة مع ما تسجل فيها ومورس، ومع هذا العزوف الكبير للمواطنين الذين يئسوا من “عدل” طال أمده وانتقال ديمقراطي لا يكتمل.

ما الجدوى من الانتخابات إن لم تفرز لنا قرارًا وسلطة حقيقين يتحمل فيهما السياسي المتقدم والمترشح مسؤوليته كاملة وفق برنامج واضح؟

وهل التزوير هو أساس مشكل انتخاباتنا بالمغرب؟

المستقرئ لتاريخ العملية برمتها بشقيها يجد التحكم والتزوير، ومع نوعيات وكائنات تقبل الهامش الضيق تلهفا على كرسي، وقضاء أغراض إدارية، وتوسع في المسكن والملبس والسيارة ومصالح الأسرة والعائلة، وتأمين مستقبل المقربين أو توظيفهم.

وبقراءة سريعة للدستور والقوانين التنظيمية الموجودة والتي صارت في المتناول مع الشبكة العنكبوتية، يقف القارئ والمطلع والباحث والمهتم على حقيقة واحدة، أن الشعب مغيب عن الصناديق مستبعد من دوائر القرار، لسبب بسيط، وإن أدلى بصوته “الصوري” فهو لازال “قاصرًا” في أعين من يحكم.

قوانينا تجعل الإرادة خارج الصناديق، والمسيرون الحقيقيون والآمرون والناهون يعينون بعيدًا عن أي استحقاق أو موعد فرز تابعين لجهة غير منتخبة هي “المؤسسة الملكية “، يأتمرون لها دون تردد أو عودة لأي منطق أو قانون، فيهم المستشارون ولا موقع لهم في الدستور، وفيهم أجهزة، وفيهم لجان، ومؤسسات، ولهم ميزانية خاصة يصادق عليها بالإجماع دون أدنى تردد وهي أكبر مالية بالمغرب.

البرلمان كما سماه الراحل الحسن الثاني رحمه الله “سيرك”، فهو لا يعدو إلا مؤسسة مفرغة المعنى والمضمون تنحصر في إلقاء أسئلة كتابية وأخرى شفهية معدة مسبقا بعناية محكمة أو تشكيل لجان للتحقيق في الغالب لا تخرج بنتيجة، فهي مكبلة لا تستطيع حتى إسقاط حكومة أو إفرازها حتى إذا توفر النصاب والأغلبية لابد أن تنتظر الإشارة، لأن التعيين والإعفاء دائما من فوق هناك في القصر.

السيدة الحكومة إن انتخبت، محكومة ببلقنة سياسية وتقطيع انتخابي ومزاج “الحاكمين”. والكاتب العام لنفس المؤسسة يبقى كذلك هو الآمر الناهي في حال وجود رئيس حكومة قد تحدثه نفسه بتجاوز خطوط ومربع الحكم وفي حالتنا المغربية هو السيد إدريس الضحاك الذي بقي هو نفسه منذ الحكومة السابقة.

والناظر في مجموع التراب الوطني يجد تراتبية إدارية قوية وعميقة ومتجذرة تمتد إلى أعلى سلطة في البلاد أقوى من أي سلطة قادمة من الصناديق.

حتى الجهوية التي يتم الترويج لها أنيطت مهمة إنجازها إلى لجنة ملكية، فلا الشعب أخذ رأيه ولا المؤسسات المنتخبة ولا الحكومة.

وهل الفساد والاستبداد الممركز ينفع معه التقسيم أو إعادة التوزيع؟

مشكلتنا اليوم ليست مع نزهاء أو فاسدين أو مع “الملك” كشخص كما يحب أن يخلط عنه المتملقون والوصوليون لأن المشكل في “سيستيم” تقليدي قديم متشعب مهما بلغ صدق ونزاهة الداخل إليه وإنسانيته وطيبته، التباس الأمور وتداخل المهام، فلا يميز الناس بين الحاكم الفعلي وبين أناس تم استقدامهم لتدبير المرحلة فقط!

اليوم يجب على بلدنا الحبيب أن يختار الانسجام مع شعاراته المرفوعة بالانتقال الديمقراطي الحقيقي الواقعي وبين مصارحة الشعب.

الوضع متأزم والحال لا يقبل التأجيل أو الالتواء أو الترقيع، ونحن نرى ونسمع الخطر الداعشي والتوغل الشيعي والتطورات الإقليمية والدولية وحجم الإكراهات المتزايدة والقضايا الملحة والملفات الكبرى أهمها الصحراء.

هذا الانتقال السياسي الذي تحتاجه البلاد اليوم، لتعود للانتخابات معناها وللعملية السياسية جدواها ضروري أكثر من أي لحظة، لا مجال للتكهن فيه أو القراءات والمزيد من التحليل، يجب أن يتم القطع مع الماضي بمصارحة حقيقية قبل أي مصالحة ممكنة وجماعية.

إن المدخل الأساسي في العملية هو الخروج بمغربنا الغالي من “ظلمة” الكواليس والسراديب إلى شمس النهار، يجب أن يتعلم المواطن أن يختار ويتحمل مسؤوليته، نفسح له المجال ليعبر ويقرر، وعليه أن يتحمل النتائج.

فإن اختار الممارسة الحالية بقواعدها في جو من الحرية التامة وفي اختيار حر ونزيه أو استفتاء شعبي فله ذلك.

أو بدل هذا كله أن نستغني عن الانتخابات بإدارة تنفيذية دون الحاجة إلى حكومة وبرلمان لا يسمنان من جوع ولا يملكان قرارًا.

ولنصارح المواطنين بكل شيء لكي يتحمل الجميع الوضع ويقبلوه بدل أن نروج شعارات كبيرة ونوزع الكذب وينقلب السحر على الساحر، من أجل الوطن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد