الإنسان ذلك الكائن العظيم، والمخلوق الجميل المتغير دائمًا، تمر حياته بدورات وأطوار وأعمار، فمن جنين، إلى رضيع، ثم طفل، فصبي، فشاب، ثم يصير رجلًا، يتغير شكله، وتتبدل ملامحه، كما يزيد طوله ووزنه، لا يثبت أبدًا على حال، وإن ثبت طوله صار قزمًا، وإن ثبت وزنه أصبح ضئيلًا، ولا يتوقف عن النمو والتقدم إلا إذا كان مريضًا أو عليلًا.

فالتغيير صفة للحياة، والحياة متغيرة، فبين ليل ونهار وشتاء وصيف وحر وبرد تسير الحياة؛ فالشمس تشرق وتغرب، والقمر من محاق إلى هلال إلى بدر يولد ويختفي، كما يولد الإنسان ويموت، حتى دقات قلب المرء متغيرة بين الصعود والهبوط، كمن يصعد إلى قمة الجبل ويهبط إلى عمق الوادي بين الصعود والهبوط والارتفاع والانخفاض، ترسم نبضات القلب وتكتب حالته، حتى إذا ثبتت على ارتفاع واحد، ولم تتذبذب ذلك التذبذب الجميل، كان معنى ذلك أن القلب توقف عن العمل، واستعصى الانقباض والانبساط، ولا ندري أتوقف منقبضًا، ولم يستطع الانبساط، أم سكن منبسطًا ولم يمكنه الانقباض؟

الإنسان هو إنسان فقط، إذا استطاع أن يقاوم ما يحب، ويتحمل ما يكره، وهو إنسان فقط إذا ساد عقله على بهيمته، وإذا ساد رشده على حماقته، وتلك أول ملامح الإنسانية. مصطفى محمود

بين القبض والبسط تسير الحياة؛ فالأرزاق بينهما تتراوح، والوقت بينهما يسير إما فراغ، وإما انشغال، والعطاء بينهما يتردد {أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ}. والقوة والصحة متغيرة بين سنين العمر، فمن قوة إلى ضعف، وأما الفكر والعلم فمن ضعف إلى قوة، فمن مراهقة الشباب واندفاعه وتهور الصغر، إلى عقل الرشد ورشد الروح في الكبر.

وفي أداء الإنسان الحياتي في عمله ومجاله يتراوح أداؤه بين الضعف والقوة، وبين الأداء المتميز والأداء العادي، وبين الإنجاز والإخفاق، وبين النجاح والفشل، ولم نسمع عن عظيم ومتميز كانت حياته كلها نجاح، بل إن جل العظماء والمتميزين واجهوا إخفاقات قوية، وعثرات شديدة.

إن كتب تطوير الذات والتنمية الذاتية تخدعنا وتدفعنا للإحساس بأننا يجب أن نكون كتلًا للنجاح المتحرك والثبات والتميز الذي لا ينقص أبدًا، إنهم يضعوننا بلا شك في مصاف الروبوتات والآليات أو الحواسيب الخارقة التي صنعت بإتقان شديد في كوكب اليابان الشقيق، إن هؤلاء المؤلفين يعملون على الشحذ الدائم للقراء، وإشعارهم أنهم مقصرون دائمًا، ويتوجب عليهم أن يكونوا عمالقة وقادة ومبدعين ومتميزين ومخترعين وناجحين على الدوام.

لماذا نسلّم أنفسنا للعادة والآلية والروتين المكرر، وننسى أننا أحرار فعلًا!
مصطفى محمود

حتى إن أقوى الربوتات والحواسيب والمحطات الفضائية يصيبها العطب أو الأعطال، أو تدركها أزمات استنفاد الطاقة، أو التوقف المفاجئ عن العمل، إن التعامل مع البشر على أنهم ماكينات وحواسيب وآلات هو فشل حتمي، إن إدراك الإنسان لمحدودية قدراته ومهارته وحاجته إلى التكامل مع من حوله من أفراد المجتمع، هو عين قوته، وإن تقوقعه على ذاته وتمحوره حول طاقاته وأهدافه وأحلامه يضعفه ولا يقويه.

لقد كان العقد الماضي بلا جدال هو عقد التنمية الذاتية، لقد أثرت مؤلفات ملهمة حقًا في ملايين الشابات والشباب، وحاولت أن تهذب تفكيرهم، وتشحذ أفكارهم؛ ليكونوا أكثر تفاولًا وإبداعًا وعملًا وإنتاجًا، بيد أن سيل الأحداث اليومية والتقلبات السياسية والصراعات والحروب كان سيلًا جارفًا وقويًّا وكفيلًا بأن يهدم الإيمان المتزعزع بقيم تطوير الذات والتنمية البشرية.

«ولقد حاولت جاهدًا أن أشير على مَنْ استشاروني في أمرهم بما رأيت فيه خيرهم وصلاح حالهم، وأرجو أن أكون وفقت في ذلك بعض التوفيق، كما أرجو أن يجد القارئ بين هذه السطور ما يستفيد به في إثراء خبرته بالحياة، ويزيد من قدرته على تجنب أشواكها». عبد الوهاب مطاوع كتاب (الأرض المحترقة).

هل نحتاج إلى بديل يمنحنا وصفة الحياة وخبراتها، وأقصر الطرق إلى النجاح والقوة والتميز؟ إن كتابات الراحل العظيم «عبد الوهاب مطاوع»، والتي تناولت آلاف القصص الحقيقية لأناس يشبهوننا تمامًا، ويعيشون بيننا، ونعيش بينهم هي خير دليل وأفضل معلم وأوثق مستشار؛ إنها فعلًا بحق أفضل «life manual»، وهناك أيضًا كتب الدكتور مصطفى محمود التي نسجت أنقى وأجمل المشاعر الإنسانية في أسلوب جميل ومبدع، لقد حوت تلك الإبداعات الإنسانية خلاصات أدب الحياة الرفيع، التي تروي لنا قصص الآخرين الصادقة، ومعاناتهم وصراعاتهم مع آلام الحياة المتكررة، ومثلت خير معين وموجه على الإبحار الآمن في بحر الحياة المتلاطم.

علمتنا الأحزان نظم القصيد؛ فأهدينا للناس في أنغام الشعور ما تلقيناه نحن من ضربات الألم. عبد الوهاب مطاوع

إن تلك الكتابات تضم بين ضفافها قصص آخرين مثلنا، يشبهوننا تمامًا في قوتنا، وفي ضعفنا، وفي نجاحنا وفشلنا، وفي انطلاقنا وفي سقوطنا، وتشبه دنياهم دنيانا في حلوها وفي مرها، وفي يسرها وفي عسرها، إنها خلاصة تجاربهم، وعصارة نجاحاتهم، وأسرار تقدمهم أو أسباب تعثرهم، إن معايشة هذه التجارب الإنسانية النبيلة يمنحنا مكانًا متميزًا في سينما الحياة الحقيقة الكبيرة، ومقعدًا مواجهًا لتلفاز الواقع الحقيقي العملاق.

وعلى محطات قطار الحياة تجعلنا تلك الكتابات الثمينة نقف في مكان متميز، على رصيف محطة الحياة الأخيرة، ونرى النهايات والعواقب واضحة جلية، ومرشدة ومعلمة صادقة وأمينة، إن هذا التراث الإنساني العظيم والذي تعاون على تدوينه آلاف البشر والمليء بالصدق والألم والأمل، هو تراث يستحق التقدير والاعتبار.

خلف الأوراق، أرى خيالاتهم تتراقص على الصفحات، عوالم أخرى تُفتح من خلال قصص بريد الجمعة التي أحبها كثيرًا، وأبكي مع أشخاصها طويلًا، أقرؤها لأعلم دومًا أن دنياننا فانيّة، شقاءنا وسعادتنا مكتوبة في لوحٍ محفوظ، وأسأل الله أن يجعلنا من أهل الرضا في الدنيا، ومن السُعداء حين تقوم الساعة. تعليقات القراء.

إن حاجة أبنائنا وبناتنا من الأجيال الواعدة لإضاءات قوية في ظلمة الحياة الحالكة، وإلى ظل وارف من الخبرات والملكات والقدرات، التي لا تعطيها الحياة إلا بثمن باهظ من الآلام والمعاناة والدموع، ليجدونه متاحًا عذبًا رقراقًا بين طيات كنوز تلك الكتابات الثمينة، والتي لا تقدر بثمن، إن هناك حاجة ماسة لأن يستلهم طلاب وطالبات الجامعة خبرات الحياة من نبع صافٍ، وعين عذبة بدل أن تعلمهم الحياة في مدارسها المليئة بالألم والمعاناة والعذابات والأخطاء والكسور والجروح التي تظل آثارها في أجسادنا وأرواحنا إلى الأبد.

أشعر وكأني أقف وراء نافذة تمكنني من الاطلاع على أدق أحاسيس وسرائر البشر، والتي أرى فيها انعكاسًا لمشاعري الشخصية، تطلعني على حيواتهم الحقيقية، بعيدًا عن أي تزييف أو أقنعة من الابتسامات، تؤكد لي حقيقة الحياة وأن دوام الحال من المحال، فلا السعادة دائمة ولا الحزن دائم. تعليقات القراء

كم تمنيت أن يقرر على طلاب الجامعة في السنة الأولى مقررات اختيارية، من تلك الكتب العظيمة لتوفر لهم خبرات مئات السنين، وملايين البشر، وتقيهم شرور البشر، وخداعهم وحيلهم، وشراكهم الكثيرة.

وإذا كان هناك ملايين الشباب الآن الذين ابتلعتهم بحار الإنترنت، وشبكات التواصل، وبرامج البث المباشر، يقفون على جانب بحر الحياة، يهربون من القراءة، ولا يأبهون بتطوير الذات، ولا يلقون بالًا للتحفيز والتشجيع، وإن هذا الانتحار الفكري الجمعي ليضع عقلاء هذا الجيل من الآباء والأكاديميين والمسئولين أمام مسئولية جسيمة وعبء كبير.

بريد الجمعة إلهام لمن يريد أن يعيد لنفسه صوابها، وليعلم أنه إذا كان يعاني، فهو ليس الوحيد، فكل البشر يعانون بل إن هناك من يعاني أكثر منك ألف مرة؛ لذا لا يملك قارئها سوى أن يقول الحمد لله. تعليقات القراء.

إن ملايين الضائعين والمكتئبين والممزقين والمشتتين والتعساء والقانطين ليجدون شفاءً لأدوائهم بين طيات هذه الصفحات الغالية، وإن ملايين البشر الذين يعانون الوحدة والغربة ليجدوا أنفسهم بين أبطال هذا الأدب الإنساني الرفيع، وإن ملايين الشباب والشابات ليكتسبوا خبرات الحياة العميقة ويضيفوا لسنوات أعمارهم المحدودة آلاف السنوات، من خبرات الحياة الحقيقة التي تمكننا من بناء أسر سليمة ومترابطة وقوية، أو إنقاذ تلك المتصدعة المتهدمة والآيلة للسقوط، وقديمًا قالوا لا خير في أسرة ساءت العلاقات بين أفرادها.

إن الفنانين والمخرجين ليجدوا مادة إعلامية قوية في قصص وروايات الحياة الحقيقية بين طيات صفحات هذه الكتب، والتي تمكنهم من إخراج مواد تمثيلية هادفة ومفيدة وموجهة ومرشدة وصادقة وواقعية وحقيقية أيضًا، إن تلك الجملة البسيطة التي توضع في مقدمة الأعمال الفنية، والتي توضح أن هذا العمل مستوحى من قصة حقيقية، هي كفيلة بإحداث أثر وتغيير في عقول ونفوس المشاهدين لها.

وضعتُ كتاب تطوير الذات جانبًا، وأدركت أنني إنسان، قلب وروح وعقل، وأننى لست أبدًا عملاقًا ولا ماردًا ولا سوبر مان، وتأملت جمال قول المولى -عز وجل- {إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} إن الله -عز وجل- يعرف ضعفنا وإخفاقاتنا، ولكنه سبحانه ينتظر منا الخير، ويبشرنا بقبوله ومغفرته وفضله، إنه يتجاوز عن إخفاقاتنا وزلاتنا إذا سلكنا طريق الصلاح والخير، ويشجعنا دائمًا أن نتجاوز إخفاقاتنا، ونسمو فوق سقطاتنا، حتى إن كنا ننحدر، إنه يدعونا أن نتوقف عن الانحدار، ونبدأ في العمل، فيا من تماديت في السقوط، واستكثرت النجاح والعمل من بعد الإخفاق والكسل، أحسن فيما بقي يغفر لك ما قد سلف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

الاقتباسات من كتابات العظيم مصطفى محمود زالاستاذ عبد الوهاب مطاوع
عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!