عندما كتب تيزفيتان تودوروف كتابه الموسوم «الأدب في خطر»، اتخذ دورًا مهمًّا فيه بتطرقه في أغلب الفصول إلى جماليات الأدب، وهذا تمثيل للجسد الذي يجب التصالح معه مجددًا، أو التعرف عليه بعيدًا عن ما تفرضه الحداثة بمسخها الزماني، وبقلبها للمفاهيم وللمعايير التي تحدد الذوق، وليس مجرد انطباع مجحف في حق الصناعة الأدبية التي تستحق الإشادة.

يقول بول أوستر «إننا بحاجة للقصص بقدر حاجتنا للطعام والهواء والماء والنوم»، مع أن هذه الفكرة نسبية، وتزداد نسبية كلما زاد الانسلاخ عن حقيقة القراءة من العمق إلى السطح، خاصة بسبب هذا العصر الذي فرض علينا القراءات السريعة جدًّا والكتابات سريعة الهضم، وهو ما يعود إلى مواقع التواصل الاجتماعي التي قننت المحتويات، بعضها يحدد عددًا معينًا لا يمكن تجاوزه من الحروف أو الكلمات.

أضحت قراءة الروايات المجلدية التي تأتي في مجلدين أو ثلاثة مملة جدًّا، إن لم نقل مخيفة، وتكاد الكتابة على هذا المنوال تنعدم إن صح القول، فقد أصبحت قراءاتنا تنحصر بعدد الصفحات لا الكتب، وإن لم يكن بسبب هذا العصر، الذي نسميه بعصر السرعة، فربما لأننا أصبحنا كسالى جدًّا ونسعى إلى تقزيم وقتل الأدب بشتى الوسائل.

من العوامل الأخرى التي قد تقتل الذائقة الأدبية وتجعله فنًّا مشوهًا ومريضًا، والتي يعرفها القراء الحقيقيون للأدب ويصيبهم كل مرة بالخذلان، هي الجوائز والتصنيفات والترتيبات، هنا نتعرض إلى إشكاليات كبيرة تنعكس سلبًا وتؤثر بشكل كبير، وتطرح ثنائيات معاكسة تصبح بدورها تصنيفًا بين من يستحق وبين من لا يستحق، وهنا أيضًا نتعرف على ما يدعى «أدب الهامش» الذي يسميه البعض من الرواد العرب أدب السجون، ولكني أعد هذا الأخير جزءًا من أدب الهامش الذي هو عالم واسع لأولئك المهمشين الذين وضعوا بصمات عظيمة، وسعوا إلى تحقيق الأدب وإعطاء أحقيته، لكن لا تعطى الأحقية لهؤلاء، فهكذا نقتل الأدب بعدم تخليدهم إلا بعد فوات الأوان.

ربما يجب على حضور الأدب أن يكون غير مشروط، وألا يكون مبتذلًا وممسوخًا، تحديدًا حينما يكون عبارة عن نسخة سيئة للذي سبقه، في الوقت الذي أصبح فيه العالم هائلًا ومنفتحًا على الفنون والفلسفات والذوات المختلفة، إلا أننا نجده محصورًا بسبب التضييقات (الشروط) التي عليه، فلا نراه بذاك الوهج على حقيقته، وإنما نراه بشكل مختنق، أو بالأحرى نرى ما تود بعض الأطراف أن نراه بصورة مهزوزة وخادعة، لنطرح هذا السؤال الذي يفرض نفسه وبقوة، هل نحن في زمن يعاني فيه الأدب من الانحطاط؟

كيف نتصور هذا الانحطاط لكي نجيب عن السؤال؟ أو لنقل ربما عن الواقع أنه منحط، وأن الأدب مجرد انعكاس، على حسب ما قاله جورج لوكاتش في نظرية الرواية، فهناك فترات سيئة متفاوتة في تاريخ الأدب بعضها وصلت إلى هلاك الأدباء أنفسهم، لكن الأدب في ذاته دون الاعتبار لما دونه، هل يعيش أسوأ فتراته الزمنية حاليًّا؟ والتي جعلته يحتضر بهذا الشكل.

أيضًا، هل يجب أن نقدم فضاءً مناسبًا للأدب بعيدًا عن مواقع التواصل الاجتماعي؟ فهي نفسها ليست بالفضاء الجدي الذي يعول عليه، إلا بالتنقل بين آلاف الموضوعات والمجالات التي تشغل المتلقي العام، والتي يفسد مجملها الذوق العام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد