لماذا نشر ميكافيلى أفكاره؟

«إنها متعة مضاعفة عندما تخدع المخادع» *ميكافيلي

ارتبط اسم ميكافيلى بالشر منذ وفاته، إذ أصبح اسم ميكافيلي أشبه بالمذهب يطلق على أي شخص يحاول إرضاء جميع الأطراف بذكاء ليكسبهم في صفه ويعزز من قوته.

أفكار نيقولا ميكافيلي غيرت كثيرًا في الشئون السياسية بعد وفاته، إذ نُشر كتاب «الأمير» بعد خمس سنوات من وفاته، وكان عبارة عن رسالة سرية إلى الأمير الجديد، لكن الكتاب انتشر بين أصدقاء ميكافيلي، ثم انتشر إلى العامة، وواجه الكتاب وميكافيلي عدة انتقادات؛ إذ أصبح أيقونة الشر عند الحديث عنه.

كتاب الأمير هو أخطر مخطوط سياسي في التاريخ. *الملك فريدريك الأول

من هو ميكافيلي؟

ولد Niccolò di Bernardo dei Machiavelli عام 1469م في مدينة «فلورنسا» في إيطاليا، في ظل أستبداد «المديشيين» وسيطرتهم على الحكم بالقوة، ونشأ في أسرة ذات ثقافة الطبقة المتوسطة في عصره.

انتخب ميكافيلي سكرتيرًا للمستشارية لجمهورية فلورنسا، إذ كانت تشرف على الشئون العسكرية والخارجية، وبقي ميكافيلي في السلطة 13 عامًا إلى أن جاء الفرنسيون، وخرج ميكافيلي منفيًّا وتوفي في المنفى عن عمر يناهز 57 عامًا عام 1527.

اشتهر ميكافيلي بكتابه «الأمير»، إذ وضعت «روما» كتابة ضمن الكتب الممنوعة وحرقت جميع النسخ، ربما لم يكن الملك يريد أن يعلم العامة بأساليب الخداع والحكم الخاصة بالملوك، أشتهر أيضًا ميكافيلي أيقونة في الفكر الليبرالي؛ إذ حاول بأفكاره تجاوز الحاجز الديني الذي كان سائدًا في أوروبا في العصور الوسطى.

هل كان ميكافيلي على صواب أم خطأ؟

دعنا نتذكر أن ميكافيلي أهدى الكتاب للأمير الشاب لكي يُلم بطرق الخديعة، وما سوف يشاهده في أثناء توليه الحكم لتوحيد إيطاليا، ولم يهده إلى مواطن من المملكة؛ إذ كان الكتاب سريًّا قبل وفاته، ودعنا أيضًا نتذكر أن الكتاب نُشر في عصر المماليك، وكان اهتمام كل ملك أن يحتل أكبر رُقعة من الأرض.

ونرى هذا في الإمبراطورية الصينية، والروسية، والعثمانية، والروم، والمغول، والكثير.

لكن هل احتل كل هؤلاء الملوك هذه الأراضي بحسن النية أم باستغلال المواقف بذكاء لصالحهم؛ لكي يخدعوا الملوك والشعب معًا، لكي ينالوا رضا الشعوب التي يحتلونها، لكي يبنوا قاعدة متينة لهم؟

إرضاء الشعب

«ستكون في حالة دائمة إلى حب الناس حتى تستطيع السيطرة على بلادهم مهما كانت قوة جيوشك».

«جميع الأمراء يريدون الظهور بمظهر الرحمة لا القسوة، ولكن عليه التأكد ألا يسيء استخدام هذه الرحمة. لا ينبغي على الأمير التردد في إظهار القسوة للإبقاء على رعاياه متحدين، لأنه بقسوته هذه هو أكثر رحمة من أولئك الذين يسمحون بظهور الفوضى بسبب لينهم. ولكن عليه أن يكون حذرًا، لن يستطيع تجنب سمعة القسوة؛ فجميع الدول الجديدة محاطة بالمخاطر. لكن بامكانه المضي قدمًا بكثير من الحكمة والإنسانية. فالثقة المفرطة ستكسبه سمعة المغفل، وعدم الثقة ستظهره بمظهر غير المتسامح». *ميكافيلي

قديمًا في أثناء وجود الممالك المشتتة والحروب المستمرة، كان الشعب هو الذى يدفع الثمن في كل مرة، فكان يأتيه غازٍ ويحتل دولته وينهبها، ثم يأتي ملك آخر يوهم الشعب بالرخاء ولكن ينهب هو الآخر.

المعضلة ليست في النهب بالنسبة للملك؛ لأنه بمجرد أن يصنع شعبية في الدولة التي سيحتلها، فإن الأمور تصبح أسهل بالنسبة له؛ لأنه يملك تأييد الشعب.

مثلما حدث في إيطاليا ففي عام 1499م أعلن «لويس الثاني عشر» أنه احتل «ميلان» بسهولة، وذلك بسبب أنه وعد الشعب بحال أفضل من الذي يعيشونه، لكن سرعان ما انكشفت نواياه، ولم يرض الشعب عنه، ومع أول محاولة فعلها «لودوفيكو سفورزا» بالسيطرة على «ميلان» فتح الشعب الأبواب وساندوا «لودوفيكو»، وبالفعل نجح «لودوفيكو» في السيطرة على «ميلان» من أول محاولة له.

وأيضًا حسب التاريخ تمكن الدوق «فرانتشسكو» من أن يستعيد شعبيته في «رومانا» بمساعدة القوات الفرنسية، ثم تخلص منهم بعدما استعاد شعبيته، وأيضًا عندما أعلن «فرانتشسكو» أن «روميرو دى أوركو» وزير لتوحيد البلاد وتحسين أوضاعها، أنجز «روميرو» بالفعل أعمالًا رائعة، لكن سرعان ما نشبت اضطرابات داخلية، ومست بسمعة «فرانتشسكو» فقرر أن يعلن للجميع أن ما حدث كان بسبب ميول الوزير الفظة «رغم أنه ليس خطأه» وقتل «روميرو»، إذ شطر جسده إلى نصفين؛ فرضىي الشعب عن «فرانتشسكو».

لذا من أولويات الحاكم أن يرضى عنه الشعب الذي سوف يحتله؛ لكي يضع قدمًا قوية له.

النظام الدولى نظام فوضوي

ربما تسمع عن النظرية الأناركية؛ إذ تشرح أنه ليست هناك سلطة عليا يمكن أن تلجأ الدولة لها عند حدوث مشكلة؛ لذا سيتعين على الدولة أن تواجه الخطر بمفردها، ولا يمكن إيقافه، لذا نجد اليوم أن كل دولة تحاول جاهدة أن تضخم قوتها العسكرية عن طريق القوة الاقتصادية لتحويلها لعسكرية، مثلما تفعل الصين، حيث تريد امتلاك أكبر قوة عسكرية في آسيا، وتحرص على عدم امتلاك أي دولة أخرى قدرة عسكرية تفوقها قد تهدد أمنها.

النظام الفوضوي لا ينطبق فقط على العصر الحديث، بل أيضًا على العصر القديم، وبقوة؛ لأنه لم تكن هناك منظمات تحكم (بعض) العلاقات بين الدول والحدود؛ لذا نري أن كل الملوك يحاولون السيطرة على أكبر رقعة ممكنة؛ لأنه إذا اكتفى بمملكته سيأتيه أحد عما قريب لديه رقعة كبيرة، وبالتالي جيش كبير، ويحتل مدينته، ربما أيضًا غرور الملك بأن يصبح سيد الأرض هو دافع مهم لزيادة مساحة أرضه، لكن أيضًا كلما ازدادت رقعة الأرض ازداد الجيش الخاص به، وبالتالي تزداد قوته وتقل فرص الهجوم عليه؛ لذا كل ملك يضع نفسه في هذه الزاوية.

طبعًا كلما زادت الرقعة المحتلة كانت معرضة للتفكك؛ لذا كان اهتمام الملوك هو إرضاء الشعب لتقوية حكمهم.

هل الخيانة مبرر للسيطرة على المملكة؟

شاهدنا الكثير من الخيانات بين قائدي الجيوش والأمراء وأعوان الملك؛ لكي يفرض سيطرته على الدولة بدون أي معوقات، فمثلًا «أجاثوكل الصقلي» حين سيطر على «سراكوزا» بالقوة اتفق مع «هاميلكار»، الذي حارب معه عدة حروب، على اغتيال مجلس الشيوخ لكي لا يعوقة أحد، وبالفعل اجتمع بمجلس الشيوخ كما لو كان سيشاورهم في أمر مهم، ومن ثم أمر باغتيال الجميع في القاعة ثم نصب نفسه أميرًا بسهولة، لكن هل السيطرة الكاملة بدون معوقات تبرر القتل الوحشي؟

هذا يرجع إلى عدة عوامل، منها الزمن الذي نتحدث عنه، وطبيعة القوانين في الدولة، وأيضًا رضا الشعب، بجانب عوامل أخرى، ولكن دعنا نتفق أن أخلاقيًّا «لا مبرر إطلاقًا».

الحكم عادة ما يكون بالوراثة؛ لذا يجب على كل ملك أن يثت هذا النظام في مملكته؛ لكي تحافظ العائلة الحاكمة على منصبها، وأكثر ما يخيف ويهدد بزوال العائلة المالكة ثلاثة أمور:

الأول: عدم إنجاب أمير.

ثانيًا: قيام حرب واحتلال دولتهم.

ثالثًا: خيانة داخلية بين حاشية الملك تؤدي إلى إشعال فتنة.

الملك وحاشيته

«الطريقة الأولى لتقييم حكمة الحاكم، هي النظر إلى الرجال المحيطين به». *ميكافيلي

أعوان الملك نوعان، إما صالحون وإما غير صالحين، وبعضهم في أقرب فرص ضعف الملك سوف يستغلها ضد الملك، لكنهم يبقون متخفيين طيلة حياتهم إلى أن تأتيهم الفرصة.

من أهم الأخطار التي يواجهها الملك، ولا يكون على دراية بها هي التي تأتيك من أتباعه في البلاط الملكي، يمكن لوزير أو شخص ذي سلطة في الدولة أن يقلب الموازين؛ فيمكنه استغلال أمر معين أو ضعف الملك لإشعال فتنة في البلاد، وبالتالي يسهل الأمر على الغازي أن يغزو البلاد كما حدث في ششش، قصة حاشية خدعت الملك ششش؛

لذلك في كتاب «الأمير» لميكافيلي، كان يحذر الأمير الصغير مرارًا وتكرارًا من الحاشية، وعليه أن يختار من يثق بهم، وعليه أن يتوخى الحذر منهم أيضًا، ويختبرهم ليتأكد أن حاشيته مستعدة للتضحية من أجله في وقت الشدة، ولا يتخلون عنه.

غرض ميكافيلي هو أن يحذر الأمير الجديد مما سوف يراه، والهدف الأسمى هو أن يوحد إيطاليا، لكن بالطبع هناك أمراء استغلوا أفكار ميكافيلي والتاريخ لأجل طموحاتهم الشريرة، والبعض حاول إخفاء كتاب الأمير كما في «روما»، وغيرها الكثير لإخفاء الأفكار.

النهاية

في النهاية ليس الغرض هنا الدفاع عن الأعمال العدائية أو الطرق غير المشروعة للحصول على الحكم بالخديعة، بل لتوضيح جانب مهم في الحياة السياسية، وأن ميكافيلي ربما لا يجب لومه؛ لأن هذا كان قانون عصره، إذا لم تتخذ الحيطة وتخدع فسوف يقوم أحد بخداعك، ويتسبب في موتك الحتمي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد