انتخابات الرئاسة هي حديث العام والخاص في الجزائر، ولعل أبرز القضايا المفاجأة مطلع الأسبوع هو دخول حمس -والذي هو الحزب المصعد في لهجته المعارضة للنظام الجزائري- غمار المنافسة، القرار خلخل ودوخ المتابعين والمحللين؛ إذ إن رئيس الحزب عبد الرزاق مقري صانع للحدث دومًا في الساحة السياسية، فبعد فضيحة الكوكايين المدوية، وبشجاعة أطلق تصريحات جعلت الساحة السياسية تفور وتقوم ولا تقعد مفاد هذه التصريحات أن على الجيش أن يضمن مشروع الانتقال الديمقراطي؛ لتنطلق بعدها تأويلات الإعلام قبل أن ترد المؤسسة العسكرية ببيان؛ إذ وضحت فيه أنها لن تحيد عن المهام التي سطرها لها الدستور، ولتعود بعدها النقاشات إلى لب الموضوع السياسي، ويوجه رسالة واضحة إلى بعض الأجنحة بأنه قادر على مقارعة النظام حتى ولو امتلك الأخير أبواقًا إعلامية فإنه سيحاربه بها.

«التدخل العسكري كما أوله البعض» كان نقطة انعطاف مهمة في الساحة السياسية؛ إذ إن أخبار الإقالات تزامنت معها، وما كادت تخمد القضية والحديث عن الانتقال الديمقراطي حتى ترمي حمس بورقة التوافق الوطني، ويقع الإعلام في مصيدة اعتاد استخدامها ضد غيره، فاستخدمت هذه المرة ضده، والمستخدم هذه المرة هو الإعلام نفسه؛ إذ أراد توجيه الطرح الذي تقدم به الحزب، ولكن برز بوصفه موضوعًا للنقاش، وعوض أن تستعمل وسائل الإعلام لطمس هوية الحزب ورئيسه وتدجينه أمام الرأي العام، حدث العكس مما أربك أحزاب الموالاة، وبعض المعادين لتوجه الحركة، والقائمين في خلافات معها وأرادوا البروز لكن على حساب حمس؛ مما جعل هذه الأحزاب تحترق وتقع في مأزق رغم ترحيبهم بالمبادرة ظاهريًّا، وقد ظنوا أنها صفقة من الجيش إذ سارعوا لتوطيد العلاقات مع قيادات الحركة، بل حاولوا مسح ماضيهم وإظهارهم الود.

الصمت ساد فترة الساحة السياسية، وحالة ترقب غير مسبوقة هيمنت على تلك الفترة، ليأتي مقري ويرمي فتيل شعلة ألهبت مواقع التواصل الاجتماعي، وامتدت إلى الساحة السياسية؛ إذ طالب بتأجيل الرئاسيات لسنة واحدة مقرونة بإصلاحات جذرية لتنطلق مرحلة أخرى من تأويلات الإعلام والصحافة بأن مقري قد تحالف مع الرئاسة ليدعم عهدة خامسة للرئيس، ويخرج مقري معمقًا من الشك بعد لقائه بالمستشار الشخصي لرئيس الجمهورية وشقيقه السعيد بوتفليقة سرًّا. وطرحت المسألة الكثير من الشكوك حتى وسط بعض المناضلين. فكيف لسياسي محنك مثله القيام بهذا؟ وهل حقًّا يريد التأجيل من أجل سواد عيني الرئيس. حتى الرئاسة احتارت في هذه القضية وبقيت معلقة. أحزاب الموالاة والمعارضة اختلطت أوراقها لينهي المرسوم الرئاسي الجدل، ويسقط معه ورقة التأجيل باستدعائه الهيئة الناخبة، والكل قال بأن حمس سقطت وانتهت ليخرج الرئيس ويعيد خلط أوراق الطبقة السياسية بإعلانه قدرة حمس على خوض المعترك الانتخابي بفارسها، وأنها جاهزة تمام الجهوزية للدخول في السباق. سقطت المواضيع والمقترحات لكن لم تسقط حمس من أجندة النقاش السياسي.

مقري يبقى الشخصية السياسية الأبرز في هذه الفترة بالجزائر، رغم محاولات التشويه التي تطاله والتي تلاحقه، خاصة من التيار العلماني الذي تمهد له الطريق رويدًا رويدًا، والذي يخاف من دخول حمس مضمار السباق نحو قصر المرادية، وهو الذي يمتلك القاعدة الشعبية التي لا يستهان بها، والكفاءات والإطارات السامية التي تسمح له بأن يكون حزبًا حاكمًا بامتياز، خاصة بالبرنامج البديل الذي أشرف على إعداده خبراء، وتم تحيينه وتسلم نسخة منه في بحر الأسبوع الماضي، أي أن الجدية في العمل جلية من خلال هذه المجهودات.

قرار مجلس الشورى الذي صدر والمصادقة بالإجماع على خيار المشاركة بفارس عن حمس، هو قرار لا مثيل له بالمجازفة، خاصة في هذه المرحلة الحرجة. فالجزائر على شفا حفرة من النار، والتيار الإسلامي رغم الشعبية التي يمتلكها إلا أنه في موقع لا يحسد عليه، خاصة وأن الفشل الذريع الحاصل بمصر وليبيا يضعف من الحزب. بالإضافة إلى عامل التزوير الذي يطال الانتخابات في الجزائر كل مرة، وهو الهاجس الأول الذي يقف في وجه الأحزاب.

أكثر من 80 شخصًا سحبوا استمارات التوقيع، قضية لا يجب إغفالها إذ إن الهدف منها واضح وهو تفريق الأصوات.
بعد هذا كله فإنني لا أرى مشكلًا في ترشح حمس، ولكن أتخوف من عواقب الترشح فكرسي المرادية ليس بعيد المنال، لكن عواقب من يجلس عليه في هذه الفترة وخيمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد