بينما كنت راكبًا إحدى الحافلات في المدينة، ويجلس إلى جانبي رجل ظاهرًا على وجهه الهم والحيرة عندما كان يحدث زوجته عبر الجوال، ثم أنهى اتصاله ليلقي علي محاضرة لها بداية وليس لها نهاية، حيث قال لي ناصحًا بصوت عال وكأني أنا زوجته التي أغضبته وكان فاقدًا لأعصابه نوعًا ما، قال احذر الزواج وعش حياتك سعيدًا ولا تسمح لأحد أن يقنعك بالزواج، فلقد كنت أسعد الناس بعزوبيتي لتبدأ فيما بعد رحلة طويلة من النكد لا أعرف متى ستنتهي، وهذه المحاضرة التي خاطبني بها ووجهه الكئيب جعلني أعيد نظرتي في الزواج، فكلما رأيت حال بعض المتزوجين تعاظمت بعيني العزوبية وشعرت بأنني المنتصر، ولكنني لا أعرف هل رؤيتي السلبية للزواج حالة لمجاراة الواقع وتصبير النفس أم أصبحت قناعة راسخة لا تتغير؟

الزواج أصبح بالنسبة للشاب معركة نفسية بين الخلود إلى الراحة أو الدخول إلى ساحة المعارك، ألا وهي مدرسة الحياة حيث الزواج يعلم الأزواج الكثير من الأشياء التي لم يكونوا يعلمونها قبل الزواج، وهذه المغامرة لدخول ساحة المعارك مفتوحة للجميع لا تتطلب الشجاعة غالبًا إنما تتطلب سعة الخيال، حيث إن الزواج في الخيال سيكون راحة واستقرارًا وجنة لا بد من دخولها، ثم ليكتشف فيما بعد أنها كانت حربًا بين الخيال والواقع لينتصر الخيال آخرًا، والذي ساعد على انتصار الخيال ضد الواقع هو الإعلام، نعم الإعلام المتمثل بالمسلسلات التلفزيونية التي تصور الزواج أو الحب المسبق بأبهى صورة غير مبالية بالواقع، حيث تصوره على أنه السعادة المطلقة ليصدم المشاهد فيما بعد بجحيم الواقع ويعود أدراجه إلى مخيلته ليلعنها.

في الزواج هناك الكثير من المصطلحات المخيفة التي تجعلك تفكر أن من سمى هذه المصطلحات كان حكيمًا عبقريًا أو ربما لسعته نار الزواج، وأول كلمة ستسمعها عندما تنوي دخول هذا العالم هي القفص الذهبي، لا أعلم لماذا البشر يخافون من كل السجون ويهربون منها ولا يطيقون سماع اسمها كيف يركضون بلهفة لدخول هذا السجن أو القفص؟ هل أحببتم ذلك؟ أم هل غركم معدن هذا القفص لأنه من ذهب؟ هل تظنون أن هذا سيصنع فارقًا عن الأقفاص ذات المعادن الأخرى؟ أولًا عن آخر إنه قفص بغض النظر عن معدنه يا سادة، ثم إن الكلمة الأخرى، وهي التي يكنى بها خاتم الخطوبة ألا وهي المحبس نعم محبس، كيف لهؤلاء الأحرار أن يرضوا بقيد سيلزمهم طوال حياتهم لا يتحررون منه.

وأيضًا عندما يهنئونك بالزواج قائلين (زواج الدهر) هل تعلم أن هذا معناه أن الزواج لا يوجد به إجازات! إنه يوميًا، لا يحق لك أن تقول اليوم لدي إجازة من الزواج وكل يوم ترى نفس الوجه صباح مساء، ولذلك أتساءل ألا يصيب المتزوجين الملل من هذا، فكم مللنا من جامعاتنا ومدارسنا لكن ما يصبرنا أن هناك إجازات تجعلك تأخذ نفسًا، وإن كان يمر سريعًا، أما المتزوجون فكان الله بعونهم، إنها أسماء مخيفة تجعل المقدم لدخول هذا القفص يفكر ألف مرة قبل الولوج فيه.

وإن من أطرف ما قيل عن الزواج هو ذاك المثل القائل إن الزواج هو بمثابة تضحية بشخصين من أجل إسعاد شعب لمدة ساعتين في قاعة أفراح، نعم هو كذلك حيث إنك تدعو الناس للحفل ثم ما إن ينتهي يبدأ الناس بالانتقاد وكأنك لم تضح بنفسك لأجل أن يفرحوا هم، ثم بعد أن ينتهي الحفل يبدأ شهر العسل، إنه شهر ستضحك وتمرح فيه ولكن ستبكي يا عزيزي طوال الدهر فهذا هو زواج الدهر، حيث المرأة تبكي قبل الزواج والرجل يبكي بعد الزواج، وقد قيل إن رجلًا أتى للطبيب يسأله عن أي طريقة لإطالة العمر فقال له الطبيب تزوج فرد الرجل قائلًا وهل هذا سيعطي نتيجة، فقال الطبيب لا، ولكن فكرة العمر الطويل لن تراودك مرة أخرى وبالطبع لن تراوده، وقد شبه البعض الزواج بالحرب وإن كان فيه مبالغة، فقد قالوا إن الزواج هو الحرب الوحيدة التي تنام فيها بجانب العدو، وقد شمت بعض العزابية بمن تزوجوا ولهذا مثالًا فقد قال جورج برنارد شو: أخبرني مارك توين أن أحد أصدقائنا قد تزوج بالأمس فأخبرته أنه يستحق الزواج لأني لم أكن أطيقه.

أعلم الآن أن البعض لم يعجبه كلامي أو أخذه على محمل الدعابة، لذلك وجب علي أن أظهر وجهة النظر الأخرى التي تشجع على الزواج لأهميته في استمرار النسل مثلا، ذلك النسل الذي قد جنى عليه الآباء بإحضارهم إلى دنيا مليئة بالحروب والعوائق ولكن ليس هذا حديثنا إنما حديثنا عن الشباب الذي عزف عن الزواج، ربما كانت ردة فعل على الحروب التي تلتهم الدول العربية مما جعلهم يتبنون هذا الفعل، وربما انتشار الفساد كالنار في الهشيم جعلهم يحققون الرغبة الأولى للزواج لديهم وبذلك قد يكونوا تنصلوا من المسؤولية وحققوا رغبة من رغبات الزواج كانوا يعتقدون إنها الأهم وهي ليست كذلك، ربما أيضًا البعض أصبحت لديه ردة فعل ضد الزواج بعد أن رأى ما رأى مما جعله يخشى الارتباط، هناك الكثير من الأمور قد جعلته يبتعد بنفسه عن الزواج.

أعزائي القراء قد صنف البعض أن العزوبية نوع من أنواع الإعاقة ولكنها ليست إعاقة جسدية إنما هي عدم القدرة على إيجاد شريك الحياة الذي سوف تستمر معه، لأن البقاء في هذه الحياة يتطلب الصراع والصراع يتطلب القوة وربما يأتي اليوم الذي تكون فيها زوجتك هي الجيش الوحيد الذي ستصارع فيه، ولنا في خديجة رضي الله عنها مثالًا كيف كانت لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- جيشًا حينما رجع إلى بيتها فأيدته ونصرته وقالت له تلك الكلمات التي صنعت فارقًا: (كلا أبشر فو الله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق) فكانت له جيشًا في تلك اللحظات الفارقة ولتصدق المقولة -وراء كل رجل عظيم امرأة- لتكون المقولة التي صنعتها وراء كل رجل عظيم امرأة كخديجة.

يقول الكاتب فرانز كافكا: إذا كان الزواج مغامرة فالعزوبية انتحار، انظر إلى الربط العجيب بين الزواج والحياة فقد جعل كل شخص عازب كمن لا حياة له وشبه الزواج بالمغامرة التي تستحق أن تدخل عالمها لتكتشف ما فيها.

هذا هو الزواج أعزائي والذي شبهه البعض بقلعة تبدو جميلة من الخارج وبعض من دخلها يريدون الخروج منها والذين ينظرون من الخارج يعجبون بها ويريدون أن يدخلوها، وما أود أن أقوله آخرًا إن الزواج ليس شرًا إنما هو ضرورة، فقد رأيت الكثير ممن فاتهم قطار الزواج نادمين حيث يتمنون أن تكون لديهم زوجة ثرثارة بدلًا من الروتين والهدوء القاتل رغم أن البعض حمدوا الله أن القطار لم يدهسهم، واعلموا أن ديننا جعل الزوجة هي الوطن حيث قال بعض الأئمة إذا مر المسافر على بلدة فيها زوجته أتم الصلاة، فالزوجة بحكم الوطن، ومن لا وطن له لا حياة له.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الزواج
عرض التعليقات
تحميل المزيد