بعد زلزال خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، هل شهد حلف شمال الأطلنطي «النيتو» انقسامًا لذات الأسباب؟

 

نتناول في هذا التحليل جانبين فقط من جوانب انقسام دول «النيتو»، وكليهما شديد الصلة بقضية اللاجئين: سوريا وليبيا.

1-  سوريا

لسنوات، ظلت سياسة أمريكا في سوريا «دعهم يتقاتلون»، بعد أن شكلت الحرب السورية مستنقعًا ممتازًا وقع فيه كل خصوم الولايات المتحدة «إيران – النظام السوري – حزب الله – الجماعات الإسلامية المتشددة – وأخيرًا روسيا». وفي سبيل تنفيذ هذه السياسة منعت الولايات المتحدة حسم أحد الطرفين المعركة على الأرض عسكريًّا، لضمان استمرارها، وتوريط أكبر عدد من اللاعبين فيها، وهو ما فصلناه في مقال: «أمريكا ترقص التانجو على دماء السوريين»! 

 

 

وظل موقف أوروبا منضويًا تحت الموقف الأمريكي، متناسية أن قربها جغرافيًّا من هذه الحرب الدائرة، عكس أمريكا التي في أقصى الغرب، سيجعل نيران هذه الحرب تطالها، وهو ما حدث بلجوء ما يقارب 800 ألف سوري إلى أوروبا، الأمر الذي تسبب في مخاوف أمنية وسياسية واقتصادية وديموجرافية، أنتجت في النهاية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، مع مخاوف بخروج آخرين.

 

 

 

أما حلف النيتو فقد تغيرت أهدافه في سوريا مبكرًا، فصارت منع تنظيم الدولة من التقدم، وتوجيه تحالف دولي ضده، بعد أن كان الهدف الأمريكي المعلن إسقاط بشار الأسد، مع تصريحات شخصية متكررة من قبل أوباما أن استخدام السلاح الكيماوي خط أحمر، وهو ما تم انتهاكه أربع مرات!

 

لكن موقف أمريكا، الدولة الأقوى في حلف النيتو، ظل مختلفًا قليلًا عن موقف تركيا منذ اليوم الأول! فالولايات المتحدة التي رأت في الأكراد حليفًا محتملًا لمواجهة تنظيم الدولة على الأرض، اصطدمت بمخاوف تركيا من سيطرة الأكراد على الشريط الحدودي معها، الأمر الذي يهدد بقيام دولة كردية تفتت الحدود الحالية للدولة التركية «بانضمام أكراد جنوب شرق تركيا إليها» وهو ما كان خطًّا أحمر لتركيا منذ اليوم الأول!

 

لكن الخلاف وصل لذروته بين الدولتين الكبريين في حلف النيتو حين سيطر الأكراد على مناطق غرب نهر الفرات الشهر الفائت، بدعم جوي أمريكي معلن، وسط تجاهل أمريكي تام لاعتراضات أنقرة، مع بعض التبريرات والتطمينات الواهية!

 

كان هذا التجاهل أحد أهم أسباب التقارب التركي الروسي المفاجئ، وهو التقارب الذي جعل الخارجية الأمريكية مصدومة حسبما نقل فيصل القاسم! فقد رأت تركيا أن عليها أن تتحرك ليس فقط بعيدًا عن أمريكا -ولكن ربما ضد سياستها- إذا أرادت أن تحافظ على أمنها القومي!

 

 

 

أمريكا لاحظت أن التقارب التركي مع كلٍّ من روسيا وإسرائيل، ربما يكون مقدمة لحسم الصراع في سوريا على الأرض، الأمر الذي جعلها تزيد من دعم الأكراد لقتال داعش، حتى لو أدى ذلك لاتساع الأراضي التي بين أيديهم، فتقدمت القوات الكردية في منبج بريف حلب «المحافظة السورية الأهم إستراتيجيًّا لتركيا» بدعم جوي صريح من القوات الأمريكية!

 

ليس هذا فحسب، فقد أعلن في وقت سابق عن إرسال قوات كندية وألمانية، للقتال بجانب القوات الكردية في تل أبيض بريف الرقة «عاصة داعش» شرق سوريا! القوات الكندية والألمانية ارتدت زي وحدات حماية الشعب الكردية في رسالة واضحة للأتراك والأكراد معًا!

 

 

 

بهذا يمكننا القول إن الحرب السورية لم تسهم في تقسيم الاتحاد الأوروبي فقط، بل ساهمت في تقسيم حلف النيتو كذلك! فأمريكا مستمرة في التعاون مع الأكراد لقتال داعش، حتى لو أدى ذلك إلى قيام دولة كردية ممتدة من الحسكة شمال شرق سوريا إلى حلب غرب نهر الفرات!

 

وتركيا تعمل مع كل من يمكنه المساعدة لوقف تقدم الأكراد، حتى لو أدى ذلك إلى اصطدامها بالسياسة الأمريكية على الأرض.

 

ويبدو أن الجميع يشعر أن الحرب في سوريا في طريقها للنهاية، ويريد كل طرف أن يكون حاضرًا في التسوية القادمة، أو أن يثبت وضعًا مفيدًا له على الأرض، قبل أن يتوقف إطلاق النار. وبكل أسف فإن الوضع الأكثر احتمالًا هو دولة كردية من الحسكة إلى حلب، ودولة علوية في الساحل وأجزاء من دمشق، ودولة سنية يتقاتل فيها جيش الإسلام مع داعش!

 

ووضع كهذا لا يفيد تركيا أبدًا، لذلك نرى سعيها المحموم لدعم تقدم جيش الفتح نحو ريف دمشق، وإسقاط خمس طائرات هناك، وتفجير عدد من الآليات والدبابات! من ناحية أخرى يتقدم الثوار المدعمون من تركيا نحو ريف اللاذقية في الساحل، ويستعيدون جميع النقاط التي خسروها لصالح النظام في حلب، وسط تراجع للقصف الروسي، ويبدو أن ذلك بداية نتائج التقارب التركي الروسي.

 

2- ليبيا

 

بُعد آخر يشير إلى احتمالية انقسام النيتو، شديد الارتباط أيضًا بقضية اللاجئين، التي كان لها أكبر الأثر في خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وهو خلاف النيتو حول ليبيا!

فمع قمة النيتو المنعقدة هذا الأسبوع، قرر الحلف أكبر سياسة حصار بحري لليبيا، المنصة الرئيسية لانطلاق اللاجئين من جنوب المتوسط المضطرب الفقير إلى الشمال الغني الأثير!

 

وفي نفس اليوم الذي يعلن فيه عن هذا الحصار البحري، تتسرب تسجيلات صوتية لموقع ميدل إيست آي البريطاني، تظهر دعم أمريكي بريطاني فرنسي لحفتر، رغم التوافق الدولي على دعم حكومة التوافق الوطني في طرابلس!

 

 

 

هذان فقط جانبان من جوانب الانقسام الذي يلوح في الأفق! هل هناك قضايا أخرى يختلف عليها دول الحلف؟ ربما، وهل يستطيع احتواء خلافاته أم ينقسم على غرار الاتحاد الأوروبي؟ من يدري؟

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد