في الثالث من مارس 1924، انتهت أطول دولة في تاريخ العالم، لفظت دولة الخلافة أنفاسها الأخيرة عن عمر يناهز الثلاثة عشر قرنا وتركت خلفها تركة عظيمة لم يحسن ورثتها استغلالها، لم تكن وفاة هذه الدولة وفاة طبيعية بالرغم من مرضها الطويل في أواخر أيامها وبالرغم من عمرها المديد الذي يجعل من قرب وفاتها أمرا طبيعيا، لكن رغم كل هذا لم تكن الوفاة طبيعية وإنما كانت جنائية إلى حد كبير، بل وكانت مع سبق الإصرار والترصد. خمسة عشر عاما كاملة ومحاولات مضنية تبذل للخلاص من هذه الدولة تكللت في النهاية بالنجاح على يد مجلس النواب وبطلب من نائب مدينة “أورفة” الشيخ “صفت أفندي” بإلغاء الخلافة بعد أن كانت السلطنة نفسها قد ألغيت في نوفمبر 1922.

هل كان أتاتورك هو القاتل؟

هكذا تشير أصابع الاتهام في جريمة مقتل دولة الخلافة وهكذا يؤكد الكثيرون أن مصطفى كمال هو المنفذ بل والعقل المدبر لتلك الحادثة، لكن تحقيقات أخرى في القضية أثبتت ضلوع بعض السلاطين العثمانيين أنفسهم في ذلك، منذ عهد السلطان محمود في بدايات القرن التاسع عشر ومع بداية حركة التغريب والتقرب من أوروبا. لم يكن أتاتورك إلا طبيبا – عديم الرحمة – أزال الأجهزة الطبية الموصولة بمريض ميت أكلينيكيا، بل ربما لو لم يفعلها أتاتورك في مارس 1924 لفعلها غيره بعد ذلك. لا يبرئ هذا أتاتورك ولا يرفع عنه وزر ما فعله لكنه يجعلنا أكثر تقبلا لعجلة التاريخ التي تدور – حتما – حتى ولو لم تتفق مع أهوائنا.

نوفمبر 1922 … حدث بقدر الألم الذي بثه في نفوس الجميع بعد إلغاء السلطنة والفصل بين السلطة السياسية (متمثلة في حكومة أنقرة) والسلطة الدينية (متمثلة في الخليفة) إلا أنه كان حدثا فريدا، للمرة الخامسة في تاريخ الدولة يتم انتخاب الخليفة بدلا من مبايعته بيعة صورية كتلك التي سنها الأمويون وتداولها من بعدهم العباسيون والعثمانيون. صحيح أن مجلس الحل والعقد هذه المرة لم يكن إلا مجلس النواب التركي في أنقرة، لكن الفكرة نفسها جديرة بالاهتمام، جديرة بالتوقف عندها للحظات والتأمل في صورة عصرية لبعث الخلافة ودولتها من جديد.

هاهم نواب الشعب يختارون آخر الخلفاء عبد المجيد بأغلبية 148صوتًا من مجموع 162 صوتًا .. بالتأكيد هي تجربة ملهمة حتى وإن فشلت حينها ، حتى وإن لم يكن غرضها نبيلا في ذلك الحين.

مارس 1924 .. لم يعد هناك دولة عثمانية مرة أخرى، صارت تركيا، صارت وحيدة دون مصر المستقلة صوريا (تصريح 28 فبراير) والمحتلة فعليا من قبل الإنجليز، صارت دون الشام والعراق والحجاز. خريطة جديدة خطها الرفيقان بيكو وسايكس وتعديلات حروب البلقان التي قضمت أراضي العثمانيين في أوروبا لم يجف حبرها بعد على الخريطة. لم يعد الحسين شريف مكة شريفا ولم يبق في مكة، لم يصبح خليفة كما تخيل وكما أوهمه حلفاؤه البريطانيون، لم تعد دولة الخلافة دولة مرة أخرى بل صارت دولا عديدة. ذهبت القدس إلى الإنجليز وليبيا إلى الطليان وسوريا إلى الفرنسيين. صار فؤاد ملكا على مصر والسودان وفيصل ملكا على سوريه ثم العراق، جاء اليهود إلى فلسطين ثم ابتلعوها وهزموا جيوش دول ما بعد الخلافة (مصر والأردن وسورية والعراق والسعودية) ، سقطت الدول العربية في فخ التحرر الزائف من الاستعمار بالارتماء في أحضان المستعمر ، اتحد ناصر وسوريا ثم انفصلا وحاربت مصر ضد السعودية في اليمن وهُزمت كما هُزمت في كارثة 67، وحين اتحد العرب فقط لعدة أيام عبر المصريون القناة ودكوا خط بارليف.

خمسة عقود مرت، وكما أعلن أتاتورك في جلسة مجلس النواب التركي إلغاء الخلافة، أعلن أنور السادات نيته الذهاب إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة للتفاوض مع من احتلها من أجل السلام!! وفي مارس 1979 وبعد خمسة وخمسون عاما كاملة منذ سقطت الخلافة كانت الكاميرات تلتقط صورا تذكارية للرئيس المصري مبتسما ومصافحا لرئيس الوزراء الإسرائيلي مناحم بيجن، الحدث الذي جعل بقايا دول الخلافة تقاطع مصر فترة لا بأس بها.

ثم حارب العرب العرب مرة أخرى، دخلت العراق الكويت واحتلتها ثم حارب المصريون جنبا إلى جنب مع الأمريكان، وحين دخلت الولايات المتحدة أفغانستان والعراق وفصلوا جنوب السودان عن شماله كان العرب مشغولون بمباراة أم درمان بين مصر والجزائر وتوابعها، حتى انفجرت ثورات الربيع العربي بعد أن فاض الكيل بقاطني هذا الجزء من العالم. أحد وتسعون عاما منذ سقطت دولة الخلافة ، أحد وتسعون عاما منذ تأسست دولة الخلاف ، ولازال العد مستمرا …

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد