تمر المنطقة العربية الآن بحالة من الانقضاض الكامل على ما يسمى بثورات الربيع العربي في اليمن وسوريا ومصر وتونس وليبيا, حالة الانقضاض التي تكاد تكون تمكنت من القضاء على ما أفرزته تلك الثورات كما في مصر وتونس واليمن, ولا زالت تلقى مقاومة كما في سوريا وليبيا.

حالة التمكن تلك من الثورات المضادة أثارت سؤالًا غاية في الأهمية وهو هل حقا كان الربيع العربي ثورات ضد الاستبداد والتبعية ومن أجل الحرية والكرامة, أم أنها كانت خطوة من خطوات الفوضى الخلاقة التي خطط لها من قبل السيد الغربي مسبقا لإعادة تشكيل المنطقة العربية وفق قيم الشرق الأوسط الجديد حيث المزيد من التفكيك والتفتيت والنعرات الطائفية والعرقية؟

أي ثورة كي تحدث وتنتصر لها شروط موضوعية يجب أن تتوافر أولا متعلقة بالأوضاع العامة (الواقع المحيط) وأخرى متعلقة بحالة الجماهير، وأخيرا بحالة الطلائع الثورية.

فبالنسبة للواقع المحيط, سادت حالة التخلف والطبقية وتركز الثروات في يد رجال الأعمال مع اتساع الفجوة بين الطبقات, إلى جانب تزاوج أصحاب الثروات والنفوذ ورجال الحكم كما حدث في انتخابات مجلس الشعب 2010 بمصر مع إغلاق أي مساحة للمعارضة كما كان في برلمان 2005, إضافة لازدياد حالة التبعية لدرجة لم يسبق لها مثيل أضرت بالحالة الاقتصادية بشكل مباشر كما حدث في تصدير الغاز لإسرائيل في مصر, ولعل انتشار فيديوهات التعذيب بالسجون دليل واضح على ما وصلت إليه أدوات تنفيذ القانون في العالم العربي من تجبر وبلطجة لا تفرق بين أحد من أبناء الشعب, فكانت حادثة سيد بلال وخالد سعيد هي القشة التي قصمت ظهر البعير. نفس الظروف التي ذكرناها في مصر تكاد تكون هي تماما في تونس واليمن وليبيا وسوريا, كل ما سبق يؤكد أن الواقع المحيط مؤهل تماما لحدوث حالة من الانفجار لتغيير الأوضاع السابقة.

بالنسبة للجماهير, كانت حالة الخمول هي السائدة وهي التي أخفت حالة من الغضب السلبي المدرك تماما لمأساته وغير القادر على تغييرها, في انتظار معجزة تكاد لا تحصل قد تدفعه للمشاركة في مغامرة بتغيير حالة الاستقرار النسبية رغم بؤسها, ولعل هذا ما شوهد في مظاهرات التغيير التي قادتها قوى المعارضة، فالجماهير بشكل عام لم تكن تعترض على تلك المظاهرات كما أنها لم تشارك فيها أيضًا. ولعل هذه الحالة تعود لافتقادها أولا المناخ السياسي السليم وكذلك لافتقادها معارضة قائدة حقيقية وهو ما يفتح الباب للشرط الثالث وهو الطليعة الثورية.

الطليعة الثورية كانت هي الحلقة المفقودة في توافر الشرطين الموضوعيين السابقين, فلم يتواجد تنظيم ثوري له نظرية ثورية كاملة وكذلك تنظيم ثوري متسع أفقيًا ومنظم يستطيع أن يقود الثورة ويحركها ويحميها ويضبط مسارها, فأقوى فصيل كان متواجدًا على الساحة لم يكن ثوريًا ولم تكن الثورة على أجندة أعماله, كما أن باقي القوى التي ادّعت الثورية لم تكن جادة في هذا الأمر في الحقيقة فلم تعدّ نفسها لا على مستوى الوعي ولا الحركة ولا التنظيم لقيادة ثورة ولا لتجسيدها.

من هنا كانت الفجوة, هناك حالة ثورية توافرت شروطها الموضوعية في الواقع والجماهير نسبيًا ولم تتوافر في الطليعة الثورية, وبالتالي فتح الباب تماما لمن يستطيع التحكم والتلاعب في تلك الحالة الثورية, وبالتالي هي ثورة أو بالأحرى حالة ثورية, وليست فوضى خلاقة مصنوعة بأيادٍ خارجية كما يدعي البعض.

كل هذا في حين أن قوى الثورة المضادة على العكس تماما لديها ظروفها الموضوعية وجمهورها الموحد من المنتفعين والاستغلاليين وقوى الاستعمار والتبعية, وكذلك القيادة الموحدة القوية المنظمة, أضف لهذا حالة تجزئة الثورة العربية وفصلها عن بعضها البعض في حين أن قوى الثورة المضادة عربيا هي خانة واحدة مما جعل كل حالة ثورية تائهة في مشكلات لا تملك حلها وحدها ولكن قد تمتلكها إن توحدت جميعها في حركة واحدة, هكذا كانت الحالة في مصر وكذلك العالم العربي بكل مراحل الثورة منذ 11 فبراير 2011 وحتى الانقلاب العسكري في يوليو 2013 على ما أفرزته تلك الحالة الثورية الهشة.

المشكلة الحقيقية هي أن نفس أزمة الحالة الثورية في 25 يناير 2011 هي ما نمر به الآن بنفس الظروف وأصعب في 2015 منذ الانقلاب العسكري, لا توجد طليعة ثورية حقيقية منظمة تقود الحالة الثورية المتواجدة, لقد كانت الحالة الثورية في ذروتها منذ الانقلاب العسكري وحتى فض اعتصامي رابعة والنهضة, ولكن نتيجة لغياب من يقود هذه الحالة بشكل ثوري دخلت حالة الثورة مرحلة الخمول والتيبس, فالطرف الذي يقود تلك الحالة طرف لا يفهم ثورة ولا يفهم ديناميكيتها الحركية, هو فقط يفهم التوازنات والمفاوضات السياسية ولعبة الصفقات وهي لعبة خاسرة طالما أنت الطرف الأضعف فيها.

خلاصة الأمر كانت هناك حالة ثورية وستظل, حتى يكون هناك تنظيم ثوري عربي موحد له نظرية وله قوة يتحرك بها بين الجماهير يحافظ على ثورتهم ويحميهم ويوجه بوصلتهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد