منذ الطفولة ونحن ننشأ على معايير وقيم معينة سواء في علاقتنا مع ذواتنا أو مع الغير أو في علاقتنا مع المحيط الذي نعيش فيه، ولهذا فإننا سلوكات تكون مرآة لتفكيرنا ومستوى وعينا .ونحن صغارًا كنا ندرك أن المدرسة مكان للتعلم فقط وليست مكانًا للمبيت أو للتنزه.

وفي المغرب نلقن أبناءنا أصول ومفاهيم الحياة اليومية، لكن نتجاهل تلقينهم أن التبول أو التغوط في الشارع العام هو جريمة في حق البيئة والمجتمع. فأصبح الناس يقضون حاجتهم إذا تعذر عليهم إيجاد مكان خاص أن يقضوا جوار الأسوار والأكشاك، فينتج عن ذلك روائح كريهة تشعر المارة بالاشمئزاز. إضافة إلى دورها الكبير في انتشار الأمراض والأوبئة الفتاكة. هذه السلوكات غير السوية تبرز مستوى شعب معين إضافة إلى قيمة وأهمية هذا الشعب لدى الحكومات والسلطات المكلفة بتسيير شؤونه. فقيمة أي شعب أو أمة تتحدد من خلال ما قدمته الحكومات لهم أمام باقي البلدان، وما ينتجونه من أفكار وقيم أخلاقية تغزو العالم فيظهرون بذلك مستوى بلد ما. وعند زيارة أي سائح أجنبي فإنه يأخذ نظرة معينة تكون إيجابية أو سلبية عن ذلك البلد.

 ولهذا فغالبًا نحن سكان البلدان المتخلفة عن ركب الحضارة، عند زيارة أي بلد قطع أشواطًا مهمة في الرقي نرغب في رأية كل ذلك التطور في بلداننا الأصلية. لكن عندما يزورنا مواطن غربي فغالبًا ما ينبهر هو أيضًا، لكن الانبهار لا يعدو أن يكون لحظيًّا محدودًا في كل ما هو تقليدي سواء من حيت اللباس أو طريقة الأكل. لكن مجرد خروجه إلى ضوء الشارع إلا ويصطدم بواقع آخر أكثر إيلامًا، ويتحول الانبهار إلى كابوس عندما يرى شعبًا يكاد لا يتميز عن الحيوان إلا باللباس والمشي منتصب القامة. فيجد الناس يتغوطون ويتبولون في كل مكان دون أدنى تأنيب للضمير.

هذه السلوكات التي تبدو للبعض مشينة وغير أخلاقية تظهر وجهًا آخر للتعليم والتربية التي نشأنا عليها. فمنذ نعومة أظافرنا ونحن نرى أمامنا أناس يبصقون على الأرض ويتبولون في كل مكان وزمان، ولا يحترمون البيئة كبرنا وكبر معنا هذا السلوك غير السوي فأصبح جزءًا من هويتنا حتى صار من الصعب تجاوزها أو اقتلاعها.

مشكل التبول في الشارع العام لا يقتصر على الدول المتخلفة فقط وإن كان يظهر أثره بشكل واضح فيها، إلا أن الدول المتقدمة التي قطعت أشواطًا مهمة في التحضر كألمانيا هي أيضًا عانت كثيرًا من هذه المشكلة، لكنها ابتكرت طريقة فعالة لمحاربة هذه المعضلة المجتمعية الكبيرة، وسارت على طريقها أيضًا أمريكا بعظمتها راعية التحضر.

وإذا كانت الحكومات تريد عن حسن نية جعل مدنها تدخل في مصاف المدن الأكثر نظافة فيجب عليها توجيه جهودها في توعية الناس وزيادة وعيهم بالأمور التي تساعد على الحفاظ على البيئة ونظافة المدن والقرى. عوض أن تذهب تلك الأموال هباء والتركيز على نشر التفاهة وتركيزها في لا وعي الشباب، الذي أصبح همه هو تقليد آخر قصات شعر مشاهير الرياضة، ولباس المغنيين. وكذا في المهرجانات الغنائية والسنيمائية التي لا تعود بالنفع سوى على من يديرون تلك المهرجانات.

للإعلام دور لا يستهان به في إيصال أي رسالة مهما كانت أهميتها عند من يديرون السلطة. فكما ركزوا في عقولنا أن الوطن أهم شيء في حياتنا رغم أن من يديرونه ولم يقدموا مقابل تفانينا في خدمته، بإمكان هذا الإعلام أيضًا أن يعلم الشعب أن التبول في الشارع أكبر خطأ من عصيان ولي الأمر.

لكل مشكل مهما استعصى حل ولهذا، فإن بعض الدول كألمانيا التي عانت من ويلات هذه المعضلة ابتكرت بعض الحلول الفعالة، كما هو الشأن بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية والهند وغيرها أيضًا.

ففي ألمانيا ابتكروا صباغة تطلى بها الجدران التي يتبول عليها الناس وبمجرد التبول يعود رذاذ البول إلى المتبول، وبهذه الطريقة استطاع الألمان القضاء على هذه الظاهرة، وكذلك الأمر وقع في الولايات المتحدة الأمريكية التي أخذت الفكرة عن ألمانيا وطبقتها في مختلف شوارعها، أما في بنجلاديش فقد ذهبت السلطات إلى كتابة عبارت ممنوع البول على الجدران المستهدفة من طرف المواطنين باللغة العربية، وبما أن أغلبية الناس مسلمين لكنهم يجهلون اللغة العربية لكنهم يقدسون لغة القرآن إضافة لتقديسهم للقرآن أيضًا. كانوا يظنون أنها قرآننا فيبتعدون عن ذلك المكان التي كتبت عليه تلك العبارات، أما في الهند فقد استأجرت السلطات الهندية أشخاصًا يقومون بالقرع على الطبول كل ما شاهدوا أحدًا يتبول في الشارع وكان لها أيضًا الأثر الطيب في محاربة الظاهرة. وفي مصر كانت السلطات تقوم بنشر المتبولين على موقع اليوتيوب والتشهير به حتى لا يعود مرة أخرى ليرتكب نفس الشيء.

ومهما بلغت الدول من الحيل والأفكار لمحاربة هذه الظاهرة، فإن الإعلام يبقى له الفضل الكبير في توعية الناس بأهمية الحفاظ على نظافة المدينة وجمالية البيئة المحيطة بنا، ولا طريق للوصول لهذا الهدف الكبير غير التوعية والتعليم داخل المدرسة وخارجها وفي الإعلام الرسمي وغير الرسمي.أما أن نستمر في إغداق المال على من لا يستحقونها من برلمانيين وفنانين وغيرهم فهذا لا يضيف شيئًا للساحة غير شباب همه الوحيد هو تقليد هولاء المشاهير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!