لكل ليل فجر لا شك.. وبعد كلِ ظلمةٍ ضياءٌ لا ريب.. فبعد ظلامِ الحزن والكمد فجرُ الفرح والسرور.. وبعد ظلامِ اليأس والقنوط فجرُ الأمل والحبور.
وعلى ذلك: فإن ليلَ الظلم – وإن طال – لا بد أن يعقبه صباح، إلا أن ذاك صباح لا هدأة فيه، صباح عنيف قاصف، صباح شديد عاصف، ليس فيه نسم ولا هدوء، وإنما صباح فيه نار، لا يخمدُ لها لهب، إلا بعد أن تحق حقًا، وتبطل باطلًا، وتنصف مظلومًا وتقصمَ ظالمًا.. فيا ويل الظالمين! 

يا ويلهم! وتعسًا لهم من يوم يُؤخذون فيه أخذة قاصمة، ليس لهم بعده من قائمة! وذاك حق لا سبيل إلى الشك فيه، إلا أن تكون غافلًا عن قول رب العزة: وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ.
فلا تخدعنك نشوة الظلم الكاذبة، ولا تغرنك قوة الباطل الزائفة، ولا تجعلن لليأس إلى قلبك سبيلًا، إذا ما طال الظلام؛ فإن لزواله موعدًا غير مخلوف، فلرب هذا الكون حكمة بالغة: ذلِكَ وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ. فما ذاك إلا إمهال للظالم؛ حتى إذا أخذه الله لم يفلته، فلا الظلم يستمر، ولا الجور يستقر، وما ذاك إلا ابتلاء للمظلوم: أيجزع أم يصبر؟

وإذا كانت غمة الظلم قد سادت – ولو لحين – حتى استبد بالنفوس اليأسُ واشتد على القلوب البأسُ، حتى إنك أينما وليت وجهك وجدت في وجوه الناس حسرة وألمًا، وفي عيونهم حزنًا وكمدًا، يقولون: أنى للحق أن يعود، وقد اسشترى الباطل واستبد؟ يقولون ذلك، وقد ضعف إيمانهم وهشت عقائدهم، فما ذلك من عقيدة المؤمنين في شيء. وإنما إذا أردت أن تعرف عقيدة المؤمنين حق المعرفة فاقرأ قوله تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ. في مثل هذا الأوقات يتميز المؤمنون حقًا وصدقًا، ويتبين آخرون من دونهم هش إيمانهم، ووهن تصديقهم، حتى إنهم يشكون في وعد الله بالنصر: إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ.

يا سادة! إن الله لا يعجزه أن ينصر الحق، ولكن حكمته – تعالى – اقتضت أن يتخير من عباده من يجاهدون في رفع لواء دعوته؛ فينالون به أجرًا لا يعدلهم فيه القاعدلون والمتخاذلون، وهم كثير.

لقد رأيت أن المظلومين والمقهورين في مشرق الأرض ومغربها، يرتقبون ذلك الصبح الذي ينتصرون فيه. قد يطول أجله، لكن قدومه أمر محتوم سبق قضاؤه ونفذ أمره.

أيها المظلوم! يكفيك أنك إذا أويت إلى مضجعك ترفع يد الضراعة؛ انفتحت أبواب السماء، وأن مثل هذه الدعوات لا تذهب هباءً منثورًا، ويكفي الظالمين أنهم أينما حلوا؛ ففي قلوبهم الرعب والفزع. لا يدرون من أي سماء ينزل عليهم عقابهم، أو من أي أرض يحل عليهم بلاؤهم، ففي أي موضع قد تكون قبورهم، وفي أية لحظة قد يكون هلاكهم، ولقد علموا – مثل غيرهم – أن الظلم لا يضاهيه ذنب، وأن الميزان قائمٌ لابد، وأن القصاصَ حق.

لا أنا، ولا أنت، بدعًا من الخلق، حتى نخرق القوانين الخلقية، أو نتعدى السنن الكونية، ولكننا بشر من عباد الله، تسري علينا مشيئته وإرادته. وإذا كنت قد ارتضيت الله ربًا وإلهًا، فكيف تنكص على عقبيك بعد ذلك مشككًا في حكمة قضائه؟ تقول لشيء أصابك: لماذا أصابك؟ أو لشيء لم يصبك: لماذا لم يصبك؟ فما أظلم الإنسان! وما أعدله عن الحق!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

: سياسة, أدب, رأي, نقد
عرض التعليقات
تحميل المزيد