بعد مرور قرونٍ عدة، لم يجد جساس بن مرةَ في حربه الشرسة المسماة بحرب البسوس من ينصفه ويبيض وجهه، ولذا حتمت عليَّ مروءة العربي وأصالته أن أُقدِم على ذلك، خاصةً بعد اطلاعي على الأحداث والوقائع مراتٍ عدة؛ لاستيعاب كل هذا الكم من الحقد على جساس، فوالله ما وجدت مبررًا لذلك، ولا عقل أو منطق إلا أن العرب يعشقون الديكتاتوريات والملك العضوض.

الجميع نبذ جساسًا بحجة أنه قتل كليب غيلةً وغدرًا، وهذا ليس من طبائع العرب ولا شيمهم، وهذا ليس محلًا للخلاف، لكن محل الخلاف هو ميل العرب إلى عدم الإنصاف، وسياسة الكيل بمكيالين، فهم لا يخفون ميلهم إلى الأقوى والأشد مهما فعل، ولا شك أن كليبًا كان قوي الشخصية، شديد الطبع، فاره الكبر، رغم أنه مضرب أمثالهم في العزة، حتى قيل للرجل امتداحًا إذا قال أو فعل ما يدل على العزة «أعز من وائل أو كليب»؛ فالاسم وائل واللقب كليب.

ولهذا اللقب حدث أيضًا، فوائل كانت أفعاله وأقواله مكتظة بالجدل والخلاف، فحين انتُقِدَ ولِيمَ، كيف أن يكون ملكًا ولقبه كليب؟! قال: نحن قومٌ نشرف أسماءنا، وليست أسماؤنا التي تشرفنا.

البكريون من جد جساس كانوا يعتزون بأبناء عمومتهم التغلبيين من جد وائل، لكن تغلبًا لا يفارقها الكبر؛ فهي دائمًا ترى أن فرسانها الأفرس، ورجالها الأفضل، ونسبهم الأعلى، ورغم أنهما يتقابلان في وائل الجد الأعظم الذي ينحدران منه جميعًا، فإن النزعة الجاهلية دائمًا تغلب عند بني تغلب، وبنو مرة البكريون قدموا تنازلاتٍ قيِّمة من أجل وائل حبًا واعتزازًا به، بينما وائل كان يقابل ذلك بنزعة الأنانية؛ فهو يرى أنه دائمًا يستحق.

ضحوا من أجل وائل بمصاهرة الملوك؛ لأنهم يعلمون أن وائل يعشق ابنتهم الجليلة؛ ولأنهم لم يرونه أقل من الملوك، فجازفوا وخاطروا بأرواحهم وأموالهم وقبائلهم ومكانتهم وخاضوا الحرب ضد التُّبع اليماني؛ لأنه أراد أخذ الجليلة، والعادة جرت أن الملوك لا يرد أمرهم، ولا يعاد طلبهم، فحاربوا وانتصروا بقتل الملك التبع اليماني، ونصَّبوا وائلًا ملكًا عليهم بعد انتهاء غزوتهم وعودتهم إلى أراضيهم.

كليب رد إليهم الفضل أيضًا؛ فقطع الأرحام، وأساء إلى الدم من أبناء العمومة، وطغى وتجبر عليهم، وحرمهم الرعي والسقاية، وحول الجند إلى مزارعين، وأفرط في الجباية، واستفرد بالغنائم، كان من شدة تجبره يقول لا نار إلا ناري؛ أي إن الموقد لا يشعل للطهي في حضرته، حتى أتى القحط، وجاعت الناس، ولم يستطع كفايتهم وإطعامهم، وظل مصًرا على ألا نار إلا ناره.

سامهم سوء العذاب، وأساء إلى ضيفهم، وقتل ناقة البسوس؛ لأنها أكلت من مرعاه في يوم غير الذي سنَّه لهم، بات يقسم عليهم الطعام والشراب والأرض، بعد أن كانوا أحرارًا يأكلون ويرتوون ويرعون كيفما شاءوا، أصبح يتحكم في مصائرهم، ويفرض عليهم الأمر دون الرأي والمشورة، وإن هذا لمسبةٍ عظيمةٍ عند العرب؛ فقد اعتادوا على الفخر، وكليب يريدهم أن يعتادوا على الذل والتبعية والكراهة.

كل شيء فعله وائل كان يستوجب الحرب، حتمًا كانت ستشتعل، لكنها توقفت على من سيبدأ، وجساس اغتنم البطولة، وبدأ الهجوم على الملك دون خشية أو مهابة، وكان شابًا من أوسط إخوته وأبناء عمومته، هو يلام على القتل غدرًا، بينما لا يلام كليب على إهانة الضيف، ولا يلام على قتل ناقة لا تعقل دخلت مرعاه لتأكل، ولا يلام على إهانته أبناء العمومة، ولا يلام على منعهم من الرعي والسقاية، ولا يلام على تجريدهم من مكانتهم وسط القبائل، وهذه كبيرة عند العرب، ولا يلام على استبداده وطغيانه وبغيه، ولا يلام على إهانته أصهاره والحط من قدرهم، وتحقير أمرهم أمام زوجته الجليلة.

كليب استبد بعزته إلى أن أصابه الكبر وجنون العظمة، كليب بغى على المهلهل وطرده من القبيلة، وهو الأقرب له من دون الأهل، لم يسلم من كليب أحد، ولا حتى الجليلة التي خاض الحروب من أجل أن يتزوجها، وهي أخت جساس، كليب كان يعشق الجليلة حد أن شهَّر بها العرب وتحدثوا في شرفها، وكانت العادة أن الرجل لا يتزوج المرأة التي شاع بينهما العشق؛ لأن ذلك مخل بالشرف في عاداتهم، إلا أنه أصر على الزواج منها، وهم قدموا هذا التنازل العظيم من أجل اعتزازهم به، إلا أنه لم يحفظ كل ذلك.

جساس أبى كما يأبى الحر، ثار قائلًا لا، بينما كليب استبد كما يستبد الطاغية، جساس نازع وائل في العزة والأنفة، وهذا مربط الفرس ولب العداء.

والجليلة أكدت ذلك حين سألها كليب: هل تعلمين على الأرض أمنع مني ذمة؟! فسكتت، فأعاد عليها الثانية والثالثة، فقالت: نعم، أخي جساس، فقد كان جساس فارسًا شهمًا أبيًّا، وكان يلقب بحامي الجار المانع الذمار، وحين سألها مرةً أخرى من أعز من وائل يا جليلة؟! فقالت: أخي جساس.

كان كليب شديد العشق للجليلة، لا يريدها أن ترى الفروسية والعزة والأنفة وطبائع الملوك في أحدٍ غيره، وإن كان أباها أو أخاها، ولن ننكر أيضًا نوايا البسوس الدنيئة من سعيها لإشعال الحرب من أجل إرباح تجارتها، وتحقيق أطماعٍ شخصيةٍ أملًا منها في أن تتزوج الجليلة من التبع اليماني، وهي خالة جساس من أمه دون جُل إخوته، ولذا هو أول من لبَّى نداءها، وابتلع دسائسها.

جساس لم يبادر بالعداء ولم يبدأ الحرب، فحين مرت بكرٍ على نهى يقال له شبيث نفاه كليب عنهم وقال: لا يذوقون منه قطرة، ثم مروا على نهى آخر يقال له الأحص، فنفاهم عنه وقال: لا يذوقون منه قطرة، ثم مروا على بطن الجريب، وهو وادٍ عظيم منعهم إياه، فمضوا حتى نزلوا الذنائب، واتبّعهم كليب وحيه حتى نزلوا عليه، فمر عليه جساس، ومعه ابن عمه عمرو بن الحارث بن ذهل، وهو واقفٌ على غدير الذنائب.

قال جساس: يا كليب طردت أهلنا عن المياه حتى كدت تقتلهم عطشًا، فقال كليب: ما منعناهم من ماءٍ إلا ونحن له شاغلون، فقال جساس: هذا كفعلك بناقة خالتي، فقال له: أو قد ذكرتها أما إني لو وجدتها في غير إبل مرةَ لاستحللت تلك الإبل بها، أتراك مانعي أن أذب عن حماي؟! فعطف عليه جساس فرسه وطعنه برمحٍ فأنفذ حضني، فلما تداهمه الموت قال: يا جساس اسقني من الماء، فقال جساس: ما علقت استسقائك الماء منذ ولدتك أمك إلا ساعتك هذه، فالتفت إلى عمروٍ وقال له: يا عمرو، أغثني بشربة ماء، فنزل إليه وأجهز عليه، فقالت العرب في ذلك:

المستجير بعمروٍ عند كربته .. كالمستجير من الرمضاءِ بالنارِ

جساس كان شديد العزة والأنفة، لم يقبل أن يضام ضيفه، وإن ضيم من الملك، هذا غير الذي بينهما من ذي قبل، فجساس كان دائم المعارضة لكليب، كثير التمرد على قراراته كملك، كليب كان يعاملهم على أنه حاكم وهم رعية، بينما هم لم يقبلوا بغير أحكام القبلية وروابط الدم، وهذا أزعج كليبًا الذي غلب عليه طبع رجل الدولة وصفاته، وليس ابن العم أو فارس القبيلة فحسب، وإن دل ذلك على شيء، فإنما يدل على ميل العرب إلى الهمجية وعدم النظام.

جساس كان يفند عداءه لكليب دائمًا بأن كليبًا لا يعتبرهم، وهو يرى ألا طاعة لمن لا تعنيه كرامة أهله، وإن كان الملك، وأرى أن قوله هذا عين الحكمة.

جساس لخص حال العرب في كلماتٍ معدودة تكتب بماء الذهب في آنيةٍ من فضة حين قال: نحن قوم نتجبر، ونحب أن نتجبر، لذلك نأبى أن يتجبر أحد علينا، فهل فينا مثل جساس بن مرة؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد