يمكن تأطير السياسة على أنها السعي لتحقيق المصالح، وتحقيق المصلحة الوطنية لدولة ما يتم دائمًا بإحدى الطريقتين إما بالسلم والدبلوماسية وإما بالحرب والصراع وما يصاحبهما من خداع وتآمر، والوسيلتان معًا هما السياسة، والقول إن السياسة لا تعرف التآمر هو قول لا يستقيم مع فهم السياسة.

فالقاعدة الذهبية في الحقل السياسي أن “الغاية تبرر الوسيلة” فالسياسة مجردة من الأخلاق والقيم، حيث إن السلم والحرب هما طريقين مختلفين لكنهما يهدفان في النهاية لنفس الغاية وهي تحقيق المصالح الوطنية للدول.

ومن هنا يمكن القول إن المؤامرة هي قلب السياسة بحيث لا يمكن ممارسة السياسة بدون الاستناد إلى قواعد التآمر والخداع حيث إن كل دولة من دول العالم لها سياستان: سياسة معلنة مزينة بشعارات ومبادئ أخلاقية ودينية يتم تسويقها للعالم، وسياسة سرية وخفية ترسمها النخبة السياسية ويتم تطبيقها بالخفاء أو يتم اللجوء إليها وقت الحاجة وبالتالي فلا يمكن الحديث عن السياسة بدون ربطها بالتآمر والخداع والتضليل.

فالسياسة المعاصرة هي التي تأخذ بكل الاحتمالات، فتعمل علنًا ضمن القانون والمبادئ الإنسانية ولكنها لا تسقط من حساباتها التآمر والخداع لأن مواقف وسلوكيات الطرف الآخر في العلاقة السياسية ليست مضمونة دائمًا، ولأن المصالح غالبًا في حالة تضارب وتقاطع إذ إن النشاط السري من أوليات نشاط أية دولة (أجهزة المخابرات والتجسس) فمن دون النشاط السري وأساليب التآمر والخداع لا يمكن لأية دولة أن تستمر في البقاء وأن تضمن أمنها القومي.

فالمؤامرات أصبح ضرورة ملحة لبعض الدول لتفادي بعض العوائق التي تهدد مصالحها الحيوية في منطقة معينة، ومؤخرًا أصبحت هناك أكاديميات عسكرية تدرس بعض كبار الجنرالات مبادئ افتعال الأزمات لتبرير التدخل العسكري دفاعًا عن مصالح يحتمل أن تهددها قوى محلية بعد عشرات السنين، وأسلوب المِؤامرات معروف عند الأمريكيين في سياستهم الخارجية حيث يسمونه “الباب الخلفي للسياسة الخارجية” وهي باختصار المؤامرات التي نفذتها المخابرات الأمريكية المركزية والتي شملت عمليات لتدبير انقلابات واغتيال زعماء وإشعال حروب أهلية أو إقليمية لضمان مصالحها الحيوية في مناطق معينة.

وعلى وجه العموم يمكن القول إن المؤامرة فعل معين مخالف للقانون يهدف إلى تحقيق أمر غير مشروع بالتخطيط والعمل في الخفاء لإحداث تغيير قد تعاني منه الفئة المستهدفة من مشكلات غامضة يصعب الوصول لأسبابها.

من جانب آخر يمكن تعريف نظرية المؤامرة على أنها التشكيك في الأحداث العالمية الكبرى في محاولة لشرح السبب النهائي لحدث أو سلسلة من الأحداث الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وبرز هذا المصطلح خصوصًا بعد صدور كتاب “أحجار على رقعة الشطرنج” لمؤلفه الكندي “وليام جاي كار” حيث يتحدث الكاتب عن دور المنظمات السرية العالمية في صنع الحروب والأزمات في العالم من وراء الستار ودورها في التحكم بالقادة والشعوب مثل البيادق في رقعة الشطرنج، كما سلط الكاتب الضوء على مخططاتهم السرية للسيطرة على العالم وإشعال فتيل حرب عالمية ثالثة تقضي على ثلثي سكان الأرض وعرف الكاتب مجموع مخططاتهم السرية والخفية تحت اسم “المؤامرة”.

ويرى الكاتب أن جميع الثورات التي حدثت في أوروبا بدءًا من الثورة الفرنسية مرورًا بالثورة الإنجليزية وحتى الثورة الروسية صنعت في أقبية الحركات السرية التي يتحكم بها اليهود، ويسترسل الكاتب حول دور الحركات السرية في نشر الإلحاد وفساد الأخلاق بين الشعوب، بالإضافة إلى صنع الحروب والأزمات الاقتصادية لإرهاق الدول بالديون وبالتالي السيطرة عليها، وللإشارة فإن مؤلف الكتاب وعائلته تم تصفيتهم بعد إصدار الكتاب في ظروف غامضة والغريب في الأمر أن دور النشر والتوزيع التي قامت بنشر كتب “وليام جاي كار” أفلست بشكل مفاجئ وأغلقت أبوابها واختفى مديروها.. الأمر الذي يطرح أكثر من علامة استفهام حول قوة التنظيمات السرية في عالمنا المعاصر.

فالتنظيمات السرية هي جماعات تتخذ طابعًا تنظيميًّا سريًّا لها اتجاهات سياسية أو دينية يرفضها المجتمع أو القوى السياسية والمدنية في الدولة، لذلك تتخذ من السرية طابعًا لها لتحقيق أهدافها غير المعلنة وغالبًا ما تكون هذه الأهداف مضادة لمصلحة المجتمع والدولة.

وفي الزمن المعاصر يعتبر الصحفي المشهور “أليكس جونز” أبرز منظري “نظرية المؤامرة” حيث اشتهر أثناء تصويره لمقطع فيديو يحتوي على طقوس غريبة أقامها “النادي البوهيمي” الذي يضم نخبة من الرؤساء وصناع القرار ورجال المال والفن والنفوذ في العالم، واحتوى مقطع الفيديو على صراخ طفل رضيع أثناء مراسيم إشعال نار؛ مما يؤشر على وجود طقوس شيطانية أثناء الاجتماع السنوي للنادي البوهيمي الذي يعتبر تنظيمًا سريًّا مشهورًا في شمال القارة الأمريكية.

وانطلاقًا مما سبق يظهر لنا أن التنظيمات السرية استطاعت الوصول إلى دائرة صنع القرار بالعالم، حيث أصبحت السياسات العالمية ترسمها هذه التنظيمات وفقًا لأجندتها الخاصة وعلى رأسها مجموعة “البيلدربيرغ” التي تمثل أكبر تكتل لأصحاب رؤوس الأموال وذوي النفوذ بالعالم حيث تعتبر هذه المنظمة العملاقة حكومة الظل التي تتحكم بمجريات الأمور في العالم من خلف الستار، فهذه الأخيرة هي مجموعة خاصة بصناع القرار الحقيقيين في العالم من أشخاص فاحشي الثراء وسياسيين بارزين، إذ يحظر على العامة الولوج إليها؛ مما يجعل تنظيم “البنائين الأحرار” أو “الماسونية” التي أثارت جدلًا واسعًا في العالم بقوة انتشارها وكثرة أفرادها تبدو كقزم صغير بالمقارنة مع قوة ونفوذ مجموعة “البيلدربيرغ”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد