بعد الجدل الواسع الذي أحدثه الجزء الأول من المقال، والذي استطاع أن يحرك بعض الأمواج الراكدة، ويجعل بعض الناس يعيدون النظر في قضية أن القرآن الكريم صالح لكل زمان ومكان، في هذا الجزء الثاني من المقال سنحاول التطرق لقضية مهمة في تراثنا الإسلامي وهي قضية «التأويل»، حيث يعتبر التأويل الوجه الآخر للنص المقدس (القرآن الكريم).

يقول المفكر حسن حنفي «التأويل هو الذهاب من الظاهر إلى الباطن ومن الخارج إلى الداخل، ومن الحرف إلى الروح، ومن اللفظ إلى المعنى ومن الحقيقة إلى المجاز ومن القضية الحملة إلى الصورة الفنية».

التأويل وظيفة معرفية تحقق الوئام النظري بين الأنا والعالم، والاتساق بين الذات العارفة وموضوع المعرفة، والذات تريد المعرفة بحواسها وذهنها والواقع عصي عليه بعلاماته ودلالاته، هنا يأتي الـتأويل ليبني الجسور المعرفية بين الذات والموضوع حتى يصبح العالم مفهومًا تستطيع الذات أن تعيش فيه وتتعامل معه.

والتأويل له عدة أشكال في ثقافتنا العربية الإسلامية، بحيث يلعب التنوع المذهبي والعقدي دورًا كبيرًا في قضية تأويل النص القرآني، سنحاول عرض هذه الأنواع من التأويلات وهي كالآتي:

التأويل العقلي عند المعتزلة وابن سينا وابن رشد: وهم يعتمدون على العقلي كأساس للنقلي، فالمعتزلة يؤولون ما يتعلق بصفات الله تعالى بما يناسب رأيهم، فكل ما في القرآن يعرضونه على العقل، فما قبله أقروه، وما خالفه حسب رأيهم يؤولونه حتى يتوافق مع ما عندهم من القواعد العقلية، كتأويل اليد في قوله تعالى: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} بالقدرة، وتأويل الاستواء في قوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} بالاستيلاء والسيطرة، وتأويل الرؤية في قوله: {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} برؤية رحمة الله، وما شابه ذلك، ويقول القاضي عبد الجبار: وربما قيل في قوله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} إنه أقوى دليل على أن الله يرى في الآخرة، ووضع ابن رشد قانونًا للتأويل حتى يبعده عن الشطحات والنسبيات والأهواء والتقلب، وقد فسر ابن سينا الحروف الهجائية التي جاءت في أوائل السور (الم، حم، المر، كهيعص، ق، ن…) إثباتًا لحق العقل في الفهم وتجاوز للحرفية التي قد توقع التشبيه أو في السحر إلى ما يرتضيه الفيلسوف والعاقل.

التأويل القلبي عند الصوفية: وهم يرجعون الشيء إلى أصله طبقًا للمعنى الاشتقاقي للفظ والأصل إما في أعماق التجربة الإنسانية أي في الشعور يقول ابن عربي عندما يروي «عن قلبي عن ربي أنه قال»، أم في الطبيعة الخارجية في الوجود أم في الملأ الأعلى، وصوره الفنية المختلفة كاللوح المحفوظ أو التصورات الدينية كالذهن الإلهي، وعليه فالقرآن في نظر ابن عربي كما جاء في كتابه (الفتوحات المكية) «القرآن متنوع ينطبع عند النازل عليه في قلبه بصورة ما نزل عليه، فتغير على المنزل عليه الحال لتغير الآيات، والكلام من حيث ما هو كلام واحد لا يقبل التغير»، إن الشرعية التأويلية التصوفية همها الوحيد هو ذلك النمط الكينوني الإنساني داخل العالم على حد اعتقاد هايدجر الألماني.

التأويل عند علماء أصول الفقه: وهم يعتمدون بالأساس في التأويل على عدة قواعد والتي يسمونها بالقواعد الفقهية، وهي قواعد عامة تحفظ التأويل من الوقوع في المصالح الشخصية، ونذكر بعض القواعد وهي «عدم جواز تكليف ما لا يطاق»، «الضرورات تبيح المحظورات»، «لا ضَرر ولا ضِرار»، «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح»، «الأمور بمقاصدها»، «الأعمال بالنيات»، وهناك علم يسمى بالأشباه والنظائر وقد خصص له كتاب كبير في الفقه على المذهب الشافعي، يعد من أشهر كتب الفقه عند العلماء ودارسي الفقه، ألفه الحافظ جلال الدين السيوطي (849هـ – 911هـ)، يجمع الكتاب بين القواعد الفقهية وبين الفروع والمسائل الجزئية، ويحتوي في عمومه على ما لم يحتو عليه غيره من الكتب، وقد اشتمل الكتاب على سبع قواعد وهي كالآتي:

1) القواعد الخمس التي ترجع إليها كل المسائل الفقهية.

2) قواعد كلية يندرج تحتها ما لا ينحصر من الصور الجزئية وهي 40 قاعدة.

3) قواعد مختلف فيها ولا يطلق الترجيح لظهور دليل أحد القولين في بعضها ومقابله من بعض، وهي 20 قاعدة.

4) أحكام يكثر دورها، ويقبح بالفقيه جهلها.

5) نظائر الأبواب التي هي من باب واحد مرتبة على أبواب الفقه.

6) فيما افترقت فيه الأبواب المتشابهة.

7) في نظائر شتى.

بعد ذكر هذه الاتجاهات المختلفة لعملية التأويل، نقف عند الفهم الجديد للتأويل عند الأصوليين أو السلفيين الذين ينكرون بقصد أو بدون قصد، مقاصد الوحي وأهداف الشريعة حيث يفصلون بين النص والواقع، وذلك بالمطالبة بتطبيق نص القرآني المطلق على الواقع المطلق، حيث يقولون إن القرآن الكريم صالح لكل زمان ومكان دون محاولة توفيق بين ما جاء به النص القرآني والواقع الذي نعيش فيه (البنية الفكرية والثقافية، الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي)، فالواقع والعصر يفرض علينا تجاوز العديد من التشريعات التي كانت في عصر النبوة سائدة، ولا نريد أن ننقص من شأن النص القرآني والتشريعات النبوية، ولكن الواقع يفرض علينا تطوير وتجديد العديد من المفاهيم التراثية، حيث إن الطريق نحو مجتمعات قادرة على منافسة الغرب يبدأ بالانتقال من النقل إلى العقل ومحاولة تجديد تراثنا ونقده نقدًا يفتح لنا أبواب فهم العقل العربي والإسلامي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

حسن حنفي ، حصار الزمن .
ناصر حامد أبو زيد ، التأويل النص.
عرض التعليقات
تحميل المزيد