أعجَبُ حين أسمع إحداهُن تُخبرني أنها بعد كل هذا لم تقرأ كتابًا واحدًا غير كتب المدرسة! وأعجَب أكثر حين أذكر يومَ كان أستاذنا يشرح أبياتَ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه:

“واسأل بطون النحل كيف تقاطرت .. شهدًا وقُل للشهد مَن حلاكَ
     بل سائل اللبن المُصفَّى كان بين .. دمٍ و فَرثٍ ما الذي صفَاكا”  

وسمعت إحدى الحاضرات تستنكر بعد الشرح قائلة: (لقد حسبت الشاعر يُخاطِب محبوبته)، ولكني لم أستنكر على مُعلمنا تساؤله ردًّا على ما فاجأه سائلًا إيّانا: “هل أنتم أجانب؟! ألِهذا الحدّ لا تفهمون لُغتكم”.

أتأمل حالنا قليلًا وما نشأنا عليه قبل أن نصل إلى تعجبنا، لأصل إلى صورة شِبه كاملة..

“مهرجان القراءة للجميع” ينظر الصغارُ إلى العبارةِ المكتوبةِ على مدخلِ مكتبةِ قريتِهِم، يتبادلون النظراتِ فيفهم كلٌ منهم مغزى رفيقه ويعلم رغبته في الدخول لاكتشافِ ما تحويه الأرفف التي لا تنالُها أيديهم، يهمون بالدخول فتستوقفهم سيّدة بصوتِها: “إلى أين؟ لن تدخلوا هكذا، يُمنَع الأكل في المكتبة!”، ينتبهون إلى الحلوى في أيديهم، يعودون أدراجهم بنظراتٍ واعدةٍ بالعودةِ مرةً أُخرى، فشلوا في المرةِ الأولى ولكنهم ينجحون ويدخلون أخيرًا، يتفرقون على أرفف الكتب التي يمتلئ بها المكان فيأتيهم الصوت مرةً أخرى: “لا يُسمح لكم إلا بأخذِ كتب من هذه الأرفف فقط”، يتأملون ما أشارت إليهِ السيدة، قصص صغيرة، لا يقتنعون، هم يريدون الكتب المجلدة، يريدون اكتشاف ما يمكن أن يحتويه كتاب غلافه غريب ويحوي عددًا كبيرًا من الصفحات، والتفكير في كيف خَطَر للكاتب أن يكتب كل هذا؟!، لا يريدون قصص الأطفال كما يقولون، يتغامزون ثم يخرجون من المكتبة، إلى المدرسة.

يناديهم المعلم بأن عليهم التوجه إلى مكتبة المدرسة، لقد ارتقوا عامًا دراسيًا والآن قُرر عليهم حصة كاملة للمكتبة. يصطفون، يسيرون بانتظام، يتبادلون النظراتِ مرةً أخرى ثم يستوقفهم مشرف المكتبة قائلًا: “لا يُسمح لأيّ منكم بأن يضع يده على أيّ كتاب مهما كان، ومن يفعل ذلك سيُعاقَب، أتسمعون؟!”، يتغامزون مرةً أخرى ويُمضون الوقت تأملًا في الأرفف وما تحويه، ثم لا يلبث كل منهم أن يُدرك أنه مُنِع من مجرد الاكتشاف عن قُرب، يُقررون أنهم لن يأتوا إلى هذا المكان ثانيةً.

ينتقلون إلى المدرسة الإعدادية، حصة المكتبة إجبارية على الجميع، يفكر كل منهم بأن المصير هذه المرة قد يختلف وقد يُسمح له باكتشاف ما مُنع عنه، يواجهون نفس المصير ويتحول الوقت إلى رحلة من الصمت لا يشوبها إلا تداخل الأصوات التي انشغل كل منها بوصف ما أراد.

في المدرسة الثانوية، النظام مختلف، يُقسَّم الفصل إلى مجموعات، واحدة فقط ستتجه إلى المكتبة، ينصرفون جميعًا إلى كل ما يُبعدهم عن المكتبة، إلا واحدًا فقط لن يجد مكانًا إلا في مجموعة المكتبة لاكتمال العدد، لا يُمَنّي نفسه كثيرًا  بما سيجده هناك، لأنه يعرف النتيجة مُسبقًا أو لأنه ربما لا يريد أن يصطدم بواقعٍ يُخالِف توقعه، ولكن الوضع هذه المرة مختلف، يستمع إلى المُشرف الذي يتحدث عن نشأة المكتبات، وطريقة وضع الكتب في الأرفف، والنظام الذي تتبعه المكتبة، لا يُطلَب منه أن يقرأ، ربما لن يُطلَب منه أن يقترب من الأرفف إلا عندما  يحين موعد الجَردِ أو إعادة تنظيم الأرفف.
غابَ عن الفتى أنه هذه المرة لن يمنعه أحدٌ من القراءة ولكنه لسوءِ حظهِ لم يُجرِّب!

تمضي الحياة، يلتقي الأصدقاء هذه المرة أمام مكتبةِ الجامعة، يمضون وكأنهم لم يَروا وكأنهم لم يُريدوا يومًا اكتشاف ما تحويه الأرفف وما تُخفيه الأغلفة، الاختلاف أنهم هذه المرة سيُسمَح لهم بقراءة ما يشاؤون وبأخذِ ما يريدون مهما بدا حجمه أو كان مكانه، ولكن هيهات! لقد انصرفوا عن التأمل في مثلِ هذه الأشياء، أخذتهم الحياة لاكتشاف ما لم يمنعهم أحدٌ من اكتشافه وإمضاء أوقاتهم به، لا تطأ أقدامهم المكتبة إلا حين يُطلَب منهم ما لن يعثروا عليه إلا بين أروقتها وغالبًا لا يسمحون لأيديهم بأن تطال إلا ما يخدم ما طُلِب منهم.

وهكذا تحولت عبارة “القراءة للجميع” وقول الشاعر “خير جليسٍ في الزمانِ كتابُ” إلى محضِ شِعارات تُعلَّق داخل أروقة المكتبات دون أن تدخل حيّز التنفيذ، فقط تحفظها عقولٌ اعتادت أعيُن أصحابها على رؤيتها وقت تأمل الجدران وما فوق الأرفف.

أعود إلى التساؤل لماذا لا نعرف لُغتنا؟!
ولكن كيف لنا أن نعرفها وكُل ما قرأناه أو أُجبِرنا على قراءته هو فقط كتب المدرسة إلا فئة قليلة تلك التي اندرجت أو نشأت في أسرةٍ علّمتها القراءة كما علّمتها الكلام، أو أُم طبّقَت لأطفالها عبارة “القراءة للجميع” حين كانت محضَ كلماتٍ على جُدران المكتبات، أو كان من حظّ أحدنا معلم قرأ الكثير غير كتب المدرسة – وما أقل هؤلاء – فأعان طُلابه..

ولكن يبقى على كل منا أن يسأل نفسه: “لماذا لا نعرف لغتنا؟”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

القراءة, الكتب
عرض التعليقات
تحميل المزيد