توالت على أسماعي مرات عِدة قصة تحكي عن الصدع الكبير الذي اكتُشف مؤخرًا على القمر؛ ما جعله منقسمًا إلى شطرين، وكيف أتى الرد الديني داحضًا للادعاء بالأسبقية في ذلك، مبرهنًا بالآية «اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ» (القمر-1) فكُنت أشعر بلذة الانتصار وتصالُح النفس أن الدين الذى أعتنق لم يقف عاجزًا أمام هذا، بل كانت له الأسبقية منذ 1400 عام ويزيد، علاوة على التأكيدات التي كانت تَرسَخُ في ذاتي لمثل هذه القصص بأني على الصواب، ومن دوني على خطأ.

ولكن لوهلة، هل كانت الرسالات السماوية في تواليها وتعاقبها لدحض الأباطيل وإرغام العقول على المُضىّ في إطار أسيجته التي قد تراها تتلخص في بعض الأوامر التي يجب أن نأتمر بها وبعض النواهي التي يجب اجتنابها؟ أم أنها كانت دفعًا لانطلاق العقول ودعمًا لقُدراته اللامحدودة بفلك لا يملكه إلا مَن أوجد الدين والعقل والخَليقة أجمع؟

ولنفترض أن الرسالات قد أُنزلت وسُنّت التعاليم لتقتصر على إعجاز المُتحاملين عليها، وتنفي الإدّعاءات البشرية الناجمة عن احتكام العقل، فلا بُد أنها – الرسالات – كانت لأهداف مُحددة، وكذلك المُكَلّفون بها – الرُسُل – ومن هُنا لن تكون الحاجة إلى الخروج عن ذلك السياج الديني الذي يؤسس لحياة لا تتعدى حياة المفازات وعيش الخيام.

لا شك أن الذي أوجد العقل ووهب له فلكًا شاسعًا يدور في ربوعه ومساحة استئثار وتفكير كي يجول فيه حسبما أراد، هو ذلك الذي أرسل الرسالات وأوجد الأديان وبرهن بها على ضرورة ولوج ذلك الفلك، ولكن بالطرق الفطرية السليمة التي تحفظ للإنسان إنسانيته، وتحقق الغاية التي خُلِق لأجلها والحفاظ عليه من الشذوذ العقلي.

ومع ذلك لا يكون – الدين – عَقبة فى آلية تفكير العقل واكتشاف عالمه واستحداث ما يرقى به ويطور من ذاته والبيئة من حوله لتثبيت قيمة «وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا» (الإسراء-85) واستغلال تلك المساحة لتقرير قوله «سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ»، من ثَم الوصول إلى قوله: «اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ» (الزمر- 62).

إن القرآن الكريم ومن خلفه السُنّة المُطهرة ليست في حِل أن تحوى التفاسير الإعجازية للابتكارات والاكتشافات الحديثة كناتج إحلال عنصر الصوديوم Na محل عنصر الهيدروچين H2 في حمض الكبريتيك H2So4، ولا أن يشرح آلية عمل الروبوت الآلي على سبيل المثال، كذلك الدخول في صراعات مع المُنتجات العقلية للنيل منها، ولكن على العكس أعطى المُدخلات الأساسية لتوظيف نعمة العقل وتكوين تلك العلوم والإيغال فيها.

وعلى النقيض نجد أن الفهم الخاطئ للمفاهيم الدينية قد يُشكل حائلًا لوضع انسجام بينه وبين العقل ما قد يخلق ثغرات قد تودي إلى أحد الطريقين: أما أحدهما فهو خلق حياة محدودة بحد النصوص الدينية، ومن ثَم بيئات يسيطر عليها روتين العبادات والأوامر والنواهي ولا يتخطى التجديد فيها سوى المُغالاة في تلك العبادات.

وأما الآخر فهو لجوء العقل إلى الشذوذ الفطري الذى يجعله يجول في إرهاصات من نسجه هو، والنأي عن المُقوّم الرئيس له وهو الدين.

ومن هنا لا عجب في مُحدثاتٍ من قَبيل «لا إله والحياة مادة» أو أن نشأة الكون جاءت نتيجة انفجار عظيم وتكون بالمصادفة من اجتماع جسيمات ما دون ذرية كالبروتونات والنيترونات والإلكترنات.

يقول ابن خلدون في المُقدمة:

إن الإنسان قد شاركته جميع الحيوانات في حيوانيته من الحس، الحركة والغذاء والكن وغير ذلك، وإنما تميز عنها بالفكر الذي يهتدى به لتحصيل معاشه، والتعاون عليه بأبناء جنسه، والاجتماع المهيئ لذلك التعاون، وقبول ما جاءت به الأنبياء عن الله تعالى والعمل به، واتباع صلاح أخراه، فهو مفكر في ذلك كله دائمًا لا يفتر عن الفكر فيه طرفة عين، بل اختلاج الفكر أسرع من لمح البصر، وعن هذا الفكر تنشأ العلوم، وما قدمناه من الصنائع، ثم لأجل هذا الفكر، وما جبل عليه الإنسان، بل الحيوان من تحصيل ما تستدعيه الطباع، فيكون الفكر راغبًا في تحصيل ما ليس عنده من الإدراكات فيرجع إلى من سبقه بعلم، أو زاد عليه بمعرفة أو إدراك، أو أخذه ممن تقدمه من الأنبياء الذين يبلغونه لمن تلقاه فيلقن ذلك عنهم، ويحرص على أخذه وعلمه، ثم إن فكره ونظره يتوجه إلى واحد واحد من الحقائق، وينظر ما يعرض له لذاته واحدًا بعد آخر، ويتمرن على ذلك حتى يصير إلحاق العوارض بتلك الحقيقة ملكة له فيكون حينئذٍ علمه بما يعرض لتلك الحقيقة علمًا مخصوصًا، وتتشوف نفوس أهل الجيل الناشئ إلى تحصيل ذلك فيفزعون إلى أهل معرفته، ويجيء التعليم من هذا، فقد تبين بذلك أن العلم والتعليم طبيعي في البشر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد