وهل الدين إلَّا الحُب؟

بهذا العنوان ألف أستاذ الدراسات العليا في المعهد الشرعي الإسلامي في بيروت، فضيلة الشيخ حسين أحمد الخشن كتابه، يُحاول المؤلف فيه أن يسلط الضوء على «قيمة الحب» في الإسلام الحنيف، وذلك من خلال ثمانية محاور أساسية: «دور الحُب في الحياة، دور الحُب في العلاقة مع الله، دور الحُب في العلاقة مع أولياء الله، دور الحُب في الخطاب الديني، دور الحُب في عاشوراء، الحُب بين الحلال والحرام، الدين بين ثقافتَي الحُب والحقد، الإسلام وثقافة الأمل».

يُحاول المؤلف أن يُبيِّن كيف أن الإسلام أعطى الحب منزلة رفيعة ومكانة عظيمة، ليس حبًّا بين المسلمين وحدهم؛ وإنما هو الحب للوجود الإنساني كله. وما أعظم هذا المنوال في التفكير والتأليف. إن هذا الكتاب بحق كنز للمُحبين!

يُبيِّن المؤلف أن الـحُب من العواطف الإنسانية المصبوغة في الإنسان فطرة وروحًا، إذ نراه يقول: «إنَّ عاطفة الحُب هي التي تعطي الإنسان معنى إنسانيَّته، لأن الإنسان بدون حُب هو صخرة صمَّاء، ولا يمكن أن نرى في هذه العاطفة من حيث المبدأ شيئًا سلبيًّا، وهكذا هو الحال في كلِّ العواطف والغرائز التي أودعها الله فينا وفَطَرَنا عليها».

ويسير المؤلف موضحًا الدوافع الخيِّرة الناتجة من هذا الحُب الطاهر؛ فالحب هو ما يدفع الإنسان للعلوم والاكتشافات المختلفة، والحب هو سياج العلاقة الأسرية والزوجية السعيدة، والحب هو مؤسس المودة بين جميع الناس، والحب هو من يدفع الحاكم للصلاح والإصلاح «إنَّ الحاكم عندما يحبُّ الناس سيكون ذلك أدعى لأن يعدل بينهم ويعطي كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، ويهتم لأمورهم، ويسهر على متابعة مشاكلهم وإيجاد الحلول اللازمة لمعاناتهم، والتفكير في أفضل السبل لإسعادهم. وأما إذا لم ينبض قلبه بحب الناس، فلن يهتمَّ بهم، ولن تعنيه أوجاعهم شيئًا، ولن يصغي إلى شكايتهم).

ثم يقف المؤلف وقفة جميلة يوضح فيها الدور العظيم الذي يلعبه الحُـبُّ في الإيمان وفي بناء العقيدة، «ذلك أنَّ الحُبَّ كما هو محور الحياة ومحرِّكها، فإنه يندرج في صُلْب العقيدة الإسلامية الصحيحة، فالعقيدة لا تُبنى على الحقد ولا الكراهية، ولا على الانفعالات، وإنَّما تبنى على قاعدة متينة».

فكما أن الله، عز وجل، هو ملهم الحُب ومصدره الأول، فقد اشتق لنفسه اسمًا منه، فهو الودود، وهو الرحمان الرحيم. حبه، عز وجل، لعباده حب ليس كالمعهود بين بني البشر «فحتى لو تمرَّدنا عليه وعصيناه فإنَّه لا يقطع حُبَّه عنَّا ولا يمنعنا فيضه، ولا يقابلنا أو يعاملنا بما نستحق، بل إننا حتى لو قابلناه بالعصيان فإنه يظلُّ يقابلنا باللطف والنِّعم، إنه تعالى يحبنا حتى ونحن نعصيه، أليس هو القائل: «إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين» فمن هو التواب؟ إنّه العاصي المذنب الذي يُكْثِرُ من الذنب ومن العودة إلى ربّه».

ثم يبيّن المؤلف – البارع- المظاهر العامة لحُب الله، عز وجل، لعباده فيوضح أولًا: أن «كلُّ ما في هذا الكون من جمال وروعة وإبداع وحُبّ، إنَّما هو رشحة من فيض حُبِّه وجماله الذي لا ينضب، إن كل هذا العطاء التكويني والنِّعَم التي لا تُعَد ولا تُحصى، وكلّ هذا الجمال الذي لا تحيط به الباصرة هو تعبير عن حُبّه لنا ولطفه بنا، إذ سخَّر لنا كلَّ هذا وهيَّأه لراحتنا لا لحاجة منه إلينا بل حبًا بنا، ووعدنا بالمزيد»، «وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها».

ثانيًا: إن إرسال الرسل وإنزال الكتب لهداية الناس من حبه، تعالى، لخلقه وعباده «فإنّ وظيفة الرسل أن يأخذوا بيد النَّاس إلى شاطئ الأمان ويستنقذوهم من براثن الجهالة والضلالة والوثنية، ولهذه الغاية فقد حرَّكوا العقول التي أصابها الصدأ، وهزّوا مكامن الفطرة التي أصابها التلوّث. فالأنبياء – عليهم السلام- هم رُسُل العدل والحُبّ والسلام، وليسوا رسل الكراهيّة ولا دعاة حرب أو سفك دماء».

ثالثًا: خلق الجنة والنار من فيض حبه، تعالى، لعباده، فكما أن الجنة أعدت جزاءً للصالحين على طاعتهم، فكذلك النار قد خلقها الله، عز وجل، ليُهذب بها عباده ويُصلحهم فـ«الله سبحانه لم يخلق النار للتشفّي من خلقه، ولا للانتقام منهم، فهو غنيّ عن عذابهم، بل لتكون رادعًا لهم عن البغي والعدوان، وزاجرًا لهم عن الإثم والعصيان، وليحملهم من خلال ذلك على سلوك طريق الهدى والمكارم ويأخذ بأيديهم إلى الكمال المطلق، وهذا منتهى الحُبّ، أليس حُبُّك لابنك هو الذي قد يدفعك لأن تقسوَ عليه أحيانًا، أو تهدّده بالعقاب، لِتُشعرَه بالمسؤوليّة وتأخذ بيده إلى طريق المكارم؟ إنّ كثرة «الدلال والغنج» تُفسد الطفل، وهي خطأ تربويٌّ دون أدنى شكّ.

هكذا هو الله ربُّنا تعالى، بل هو فوق ذلك وأسمى منه، فهو أرأفُ بنا من الأب بابنه، ومن الأم برضيعها، فهو خَلَقَ النار، لا لأنّه يحبُّ تعذيبنا حاشاه، بل خَلَقَها بهدف إصلاحنا والحدِّ من عدوانيتنا وظُلْمِنا، لأنّ في الناس من لا يصلحه إلاّ التخويف، قال تعالى: «لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ۚ ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ ۚ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ».

رابعًا: فتح باب التوبة والرجوع إلى الله مظهر جميل من مظاهر الحب الإلهي للناس «فهو عز وجل لا ينتقم من العصاة من عباده على طريقة الناس في التشفي وشفاء الغيظ، ولا يعجّل لهم العذاب، ولا يعاملهم بما يستحقون من الملامة، بل إنّه يمهلهم ويؤخّرهم ويُبْقِي باب التوبة مفتوحًا أمامهم حتى آخر لحظات العمر».

خامسًا: ثواب الحُبّ. «فمن أبرز وأجمل مظاهر حُبّ الله تعالى لعباده ولطفه بهم ورحمته لهم، أنّه تعالى يمنحهم الثواب على مجرّد الحُبّ، فمن أحبّ عمل الخير لكنّه لم يستطع القيام به بسبب عجز أو فقر أو إكراه أو غير ذلك من الأسباب، فإنّ الله تعالى يعطيه ثواب ذلك العمل على نيّته وحُبّه. إنّها رحمة الله الواسعة ولطفه الذي لا يُحدّ ولا يوصف!».

مع كل هذا الحب من الله، عز وجل، لعباده فإن هناك مشكلة وسؤالًا يثير العقول وهو: لماذا خلق الله العاصي وهو يعلم بعاقبته؟!

يُحاول المؤلف الإجابة عن هذا التساؤل ويقول: إنّه تعالى إذ خلقنا فقد أحسن إلينا، لأنّ الوجود خيرٌ محض، وعلمه بأننا سنكون من أهل المعصية والتمرّد لا ينافي عدله ولا حكمته إطلاقًا، لأنّ المفروض أنّه خلقنا وأعطانا حرية الاختيار وهدانا لما فيه مصلحتنا، ولم يجبرنا على معصيته، فإن عصيناه فبإرادتنا وسوء اختيارنا، وإن أطعناه فبإرادتنا وحسن اختيارنا، فليس في خلقه إيانا مع علمه بأننا سنختار طريق المعصية أي ظلم لنا، بل نحن من ظلمنا أنفسنا.

ثم يوضح المؤلف الخطوات التي من خلالها يصل العبد لمحبة الله، فيبدأها بالسير في طريق الله، واتباع رسله، والعمل على كل ما يجلب محبة الله من خلال الخير والحب المبذول للناس. ثم مجاهدة النفس عن المعاصي والكراهية والحقد، والعمل على ترويضها بالتقوى. ثم التأمل في آيات جماله وجلاله. والصبر والثبات على طريق المحبة والخير.

والحب الصادق هو ما قرن بالعمل والتفاؤل، ولم يكن لليأس ملجأ معه في شخصية الإنسان «إنّ على الإنسان الذي يعيش اليأس من رحمة الله ومغفرته نتيجة ارتكابه لبعض الذنوب والمعاصي، أن يعلم أنّه لا مبرر ليأسه هذا، لأنّ رحمة الله أوسع منا ومن ذنوبنا، ولا يقف أمامها ذنبٌ ولا يتعاظمها معصية، فهو يغفر الذنوب جميعها مهما عظمت وتكاثرت.

ولنتأمل مليًّا في هذا المقطع الرائع من دعاء الإمام زين العابدين – عليه السلام – وسوف نكتشف من هذا المقطع عظيم مغفرة الله تعالى، وتفاهة ذنوبِنا في جنب عفوه، وحقارة أعمالنا في جنب نعمه وكرمه: «يا حبيب من تحبب إليك! ويا قرّة عين من لاذ بك وانقطع إليك! أنت المحسن ونحن المسيئون، فتجاوز يا رب عن قبيح ما عندنا بجميل ما عندك، وأيّ جهل يا ربّ لا يسعه جودك، أو أيّ زمان أطول من أناتك، وما قدر أعمالنا في جنب نعمك، وكيف نستكثر أعمالًا نقابل بها كرمك! بل كيف يضيق على المذنبين ما وسعهم من رحمتك! يا واسع المغفرة يا باسط اليدين بالرحمة، فوعزتك يا سيّدي لو نهرتني ما برحت من بابك ولا كففت عن تملقك، لما انتهى إليّ من المعرفة بجودك وكرمك، وأنت الفاعل لما تشاء تعذب من تشاء بما تشاء كيف تشاء، وترحم من تشاء بما تشاء كيف تشاء».

ثم يدعو المؤلف في ختام كتابه بالتفاؤل والعمل الذي يحمل الحب والخير في الحياة فيقول «رغم العتمة والظلمة المنتشرة من حولنا لن نسمح لليأس أن يتسرّب إلى نفوسنا ليصيبنا بالإحباط، بل سوف يبقى الأمل رائدنا يملأ قلوبنا بحبّ الخير، ويثير فينا الفكرة المبدعة والعاطفة الصادقة، ويحرّك خطانا نحو الأفضل، لنضيء شمعة هنا ونزرع وردة هناك ،ونواسي مظلومًا هنالك. سنبقى نحلم بالعدل القادم وننتظره انتظار العاملين وليس انتظار الاتكاليين أو الكسالى، انتظار الفلاح للشمس التي تُشرق على الزّرع الذي بذره بيمناه، وانتظاره للمطر الذي يروي الأغراس التي غرسها بساعده».

إن هذا الكتاب يعد غرسًا جميلًا في تعميق الحب في قلب الإنسان، فـينصلح سلوكه، فينعكس الحُـبّ منه بين الناس؛ حتى يصير المجتمع عادلًا مُـحبًّا يبُث الخير للعالمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

حب, دين
عرض التعليقات
تحميل المزيد