يعد سيد قطب مفكر جماعة الإخوان المسلمين، وثاني مؤصل للعديد من الأفكار العقائدية بعد الإمام حسن البنا، ويعتبر مؤسس الكثير من أطروحاتهم النظرية.

لقد برز سيد قطب في خضمّ الصراعات الفكرية، وانتشار الاشتراكية والشيوعية والماركسية، وكانت كتاباته مشبعة بإفلاس العالم الغربي، وأن قيادة الرجل الغربي آيلة إلى الزوال حيث يقول في كتابه معالم في الطريق: « إن قيادة الرجل الغربي للبشرية قد أوشكت على الزوال، لا لأن الحضارة الغربية قد أفلست ماديًا أو ضعفت من ناحية القوة الاقتصادية والعسكرية، ولكن لأن النظام الغربي قد انتهى دوره لأنه لم يعد يملك رصيدًا من القيم يسمح له بالقيادة».

كما تشبّعت كتاباته أيضًا بضرورة تربية جيل قرآني فريد، يساهم في نشأة مجتمع مسلم، منهج حياته لا إله إلا الله، ومن هاته المنطلقات تركّز فكره على الجاهلية والحاكمية، فكان يرى أن الجاهلية تسري في المجتمع اليوم، رغم التحضر المادي الذي وصل إليه، وأن الحاكمية لله والمجتمع موغل في عبادة العباد.

وقد تبلور هذا الفكر العقائدي من خلال فكر حسن البنا وأبي الأعلى المودودي، حيث يقول أحمد المجيد وهو من تنظيم 65 الخاص في شهادته عن قطب: «حدث تغيير في أفكار سيد قطب، فعندما كان في مستشفى ليمان طرة، طلب من أسرته كتب الشهيد حسن البنا، والأستاذ أبو الأعلى المودودي، فبدأ يتنبه إلى أمور كانت غائبة عنه، خاصة في ضرورة التركيز على موضوع العقيدة، ثم بدأ يطلب كتب (ابن تيمية) و(ابن القيم)، وبدأ التغيير في تفكيره وكتاباته، وظهر ذلك جلياًّ في الطبعة الثانية من الظلال، بدءًا من الجزء 13 والأجزاء الأخيرة، وكتاب (خصائص التصور الإسلامي) و(معالم في الطريق).

أول ما يلاحظ في التعامل مع فِكر سيد قطب رحمه الله هو أنَّ الكثيرين يقرؤون ويفسرون ما كتبه بعيدًا عن سياقه الزمني وتكوينه الشخصي ونفسيته، ويصلُون إلى حدّ تكفيره لما صدر عنه من كتاباتٍ، ولكن إذا كانت أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وهو سيد الأنبياء والرسل، يوصي علماء الحديث بعدم فصلها عن سياقها الزمني والمكاني واجتزاء النصوص وقراءتها منفردةً حتى يكون فهم مراده صلى الله عليه وسلم سليماً، نظرًا لاختلاف العقول والمفاهيم، فالعبد الضعيف سيد قطب وجب أن يطبق معه نفس الشيء.

ولهذا قبل الحكم على فكر سيد قطب يمكن أن نقسِّم حياته إلى مرحلتين:

المرحلة الأولى: سيد قطب الكاتب والأديب، قبل الانضمام إلى الإخوان المسلمين، حيث تجلّى فنه الأدبي في كتابيه «التصوير الفني في القرآن» و«مشاهد القيامة في القرآن»، فكانت له بعض الانزلاقات والتشبيهات والصفات غير اللائقة وغير المناسبة. وبعض المقالات التي يمكن القول عنها إنها منحرفة مثل دعوة سيد قطب إلى إطلاق الشواطئ العارية.

كما كانت له بعض الشطحات واجتهادات فكرية حول الوجود والكينونة والتشريع للمصلحة، وانتقاده لخلافة عثمان رضي الله عنه، رغم أنَّ طرح الانتقاد جائز بشرط أن لا يخوض في العرض ولا بالسبّ، فيكون نقدًا لطريقة التسيير والحكم، لا انتقاد الشخص في حدِّ ذاته، وهنا وجب أن نميِّز بين «قدسية الأشخاص وقدسية المبادئ» كما يقول الأستاذ الشنقيطي في كتابه «الخلافات السياسية بين الصحابة»، وقد أورد الأخيرُ في نفس الكتاب كتابات للشيخ ابن تيمية والحسن البصري وابن حجر وغيرهم توافق مبدئيا ما كتبه سيد قطب من انتقادات في بعض الأمُور وتحوُّل الخلافة من خلافة راشدة إلى ملك في عهد معاوية بن أبي سفيان، والأسباب التي أدت إلى اغتيال عثمان رضي الله عنهما.

المرحلة الثانية: حينما تأثر بفكر حسن البنا وأبي الأعلى المودودي كما ذكرنا آنفا. في هذه المرحلة أعاد قطب نشر كتابه «في ظلال القرآن» بعد أن أجرى عليه بعض التعديلات والتنقيحات التي تتوافق مع ما استجد عليه من أفكاره وآرائه، ومن أهم المؤلفات التي أصدرها في هذه الفترة، «هذا الدين»، و«الإسلام ومشكلات الحضارة»، و»خصائص التصور الإسلامي» و«معالم في الطريق».

وبهذا التقسيم يتضح أنّ أفكار قطب كانت تُبنى وتتغيّر مع مرور الزمن، فقد تراجع عن الكثير من الأمُور في آخر حياته، وهذه سنة الله في خلقه، والتغيير ملازم للطبيعة البشرية، فالنفس تتأثر بالمواقف والإيمان، فلربما خلوتُه وتأثره بالقرآن وصدقه للبحث عن الحقيقة أوصلاه إلى صقلِ أفكاره فيما بعد وتنقيحها.

وسأضرب لذلك أمثلة: لا يليق أن تأتي إلى شخص بعد تاب أن تقول له لقد كنت تفعل هذا وكنت تقول هذا في وقتٍ ما، فهذا سيدنا عمر بن الخطاب ثاني الخلفاء الراشدين كان شارب خمر.

وما حدث مع الإمام الذهبي، فيُشنَّعُ عليه البعض لكونه سكت عن حديثٍ ضعيف أو موضوع في كتاب المستدرك للحاكم، أو لخطأ وقع من ابن حجر في كتبه التي لم يحررها، ومات وهو غير راض عنها.

ومثال آخر للإمام الشافعي الكبير، فمعلوم أنَّه تراجع عن مذهبه القديم ولم يحل الرجوع إليه، باستثناء مسائل معدودة يعرفها أهل الفقه.

وكذلك بالنسبة لقطب، وهو أقلَّ مكانة وأهمية ممن تمّ ذكرهم إلا أن المنهج نفسه ينطبق عليه. كما ذكر الشيخ يوسف القرضاوي في ملامح سيرة ومسيرة فقال: حدثني الأخ د. محمد المهدي البدري أن أحد الإخوة المقربين من سيد قطب – وكان معه معتقلا في محنة 1965م – أخبره أن الأستاذ سيد قطب عليه رحمة الله قال له: إن الذي يمثل فكري هو كتبي الأخيرة: المعالم، والأجزاء الأخيرة من الظلال، والطبعة الثانية من الأجزاء الأولى، وخصائص التصور الإسلامي ومقوماته، والإسلام ومشكلات الحضارة، ونحوها مما صدر في السجن، أما كتبه القديمة فهو لا يتبناها، فهي تمثل تاريخًا لا أكثر. فقال له هذا الأخ من تلاميذه: إذا أنت كالشافعي لك مذهبان: قديم وجديد، والذي تتمسك به هو الجديد لا القديم من مذهبك؟ قال سيد رحمه الله: نعم، غيرت كما غير الشافعي، ولكن الشافعي غير في الفروع، وأنا غيرت في الأصول.

إذا من خلال هذه الشهادة، يجب أن لا ننكر أن التغيُّر طرأ في السجن وفي أُصول أفكاره، ولا بد لمن يريد أن يفهم سيد قطب أن يحيط بمراحل حياته وتطوُّر أفكاره وتغير نفسيته حتى انتهى إلى ما وصل إليه.

ولست هنا بصدد الدفاع عن قطب، فلستُ ممن يحبذ التقديس، فله ما له وعليه ما عليه، ولكن وجب أن الأمور في نصابها، كي لا نغمطه حقه.

قطب.. والفكر الجهادي

يعتبر الكثير من الناس سيد قطب أنه المرجع التنظيري الأول للجماعات الإرهابية، ويرون أن أفكاره الثورية واضحة في كتاباته وخاصة في كتاب «معالم في الطريق»، عندما يبدأ في عرض أفكاره حول الكيفية التي يخرج بها المجتمع من الحالة الجاهلية التي يعيش فيها، وكيف يستطيع هذا المجتمع أن يحقق نموذجه الإسلامي المتفرد.

صحيحٌ أنّ فكرة الحاكمية وروح كتابات سيد قطب غير خافية، ولكنها لا تؤدي إلى نتائج عنيفة، فقد ربطها بإنشاء المسلمين من جديد، ودعوة الناس إلى الإسلام وإنشاء الطليعة المؤمنة التي ستشكِّل نواة المجتمع المسلم المنشود.

ثم إنه قال في كتابه (لماذا أعدموني) حينما سئل عن التكفير: «المسألة تتعلق بمنهج الحركة الإسلامية أكثر مما تعلق بالحكم على الناس». وهذا يعني أن قطب لم يكن يصدر أحكامًا فردية، وإنما كان يتكلم عن المجتمع بشكلٍ عام، ووصفه بالجاهلي، وليس بالكافر. ولكن فات أولئك الذي يتهمون قطب بأنه تكفيري، بعد أن تبرأ من كتاباته القديمة، أنه ركز على تنشئة النخبة، وهي تلك الطليعة والجيل القرآني الفريد الذي سيغيّر مجرى التاريخ، ويعيد الحاكمية لله وللإسلام.

عكس الجماعات الجهادية التي بنت فكرها على الأحاديث الضعيفة والموضوعة مثل حديث (جئتكم بالذبح)، وتبرر لنفسها العنف وتكفير كل من يخالفها من المسلمين وغير المسلمين وتستبيح الدماء والأعراض، ذلك الفكر المبني على إعادة الخلافة بالقوة حتى وإن لم تتهيأ الظروف الملائمة، واعتبار كل من خارجها كافرًا (إذا لم تكن معنا فأنت ضدنا).

وممّا سبق نجد أن الجماعات الجهادية المتطرفة تأولت واقتبست نصوصًا خارج إطارها الزماني والمكاني لتحقيق أهدافها، وحرَّفتها ووظفتها في صالحها، فهذا الرب جلا وعلا حرفوا كلامه (يحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ? وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) فكيف بالبشر ولله المثل الأعلى.

ونختم بهذا الاقتباس الرائع لسيد قطب، ومضمُونه أنَّ القيم هي ما تعيد الحضارة الإسلامية وليس العنف: «لا بد من قيادة تملك إبقاء وتنمية الحضارة المادية التي وصلت إليها البشرية، عن طريق العبقرية الأوروبية في الإبداع المادي، وتزود البشرية بقيم جديدة جدة كاملة -بالقياس إلى ما عرفته البشرية- وبمنهج أصيل وإيجابي وواقعي في الوقت ذاته. والإسلام -وحده- هو الذي يملك تلك القيم وهذا المنهج».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!