أمير محمد
أمير محمدفاسي

أولًا وقبل كل شيء، دعونا نعد قليلًا إلى التاريخ، فلن أبدي رأيي إلا بعد الاطلاع على بعض الحقائق التاريخية المهمة؛ لكي نبني موقفنا على وقائع لا على مغالطات وعواطف، فالعلمانية في مفهومها الشائع والأقرب إلى الواقع هي فصل الدين عن الدولة والسياسة، وتختلف في تطبيقها من بلد لآخر، ومن نظام لآخر، برزت في أوروبا في العصور المظلمة، حيث كانت أوروبا تعاني من تدهور اجتماعي، وتخلف اقتصادي كبيرين، فقد كانت الكنيسة هي المسيطر على الحياة الاقتصادية والسياسية أعلنت خلالها الحرب على العلم والعلماء.

ومن أمثلة العلماء الذين اضطهدتهم الكنيسة غاليليو، والذي حاكمته الكنيسة عدة مرات بسبب آرائه العلمية ونظرياته، التي هددت نفوذها، في حين أن العديد من الدول الإسلامية، التي كانت تطبق الشريعة الإسلامية بكل أحكامها تعيش تطورًا وانتعاشًا في الحركة العلمية والاقتصادية، فقد حظي العلماء باحترام وتقدير كبيرين، وخير مثال على ذلك ما شهدته الدولة العباسية من الازدهار والرقي وتقديس للعلماء في عصرها الذهبي.

إلا أن أحداث مفصلية وقعت جعلت من موازين القوى تتغير إلى الشمال، فقد ظهرت مع بدايات عصر النهضة الأوروبية حركات يمكن القول إنها بمثابة حركات تمرد ضد الكنيسة، مما أدى إلى تقلص نفوذها وانكماشه على كل الأصعدة، وإدخال إصلاحات جذرية عليها، إلى أن تبنت الحكومات الأوروبية تباعًا مبدأ العلمانية حلًّا نهائيًّا للقضاء على التبعية للكنيسة مما أدى إلى تطور كبير وواضح في القارة، في الوقت ذاته تخلت الدول الإسلامية عن تطبيق الشريعة، أما التي طبقتها فقد كانت تستغلها ذريعة لتكميم الأفواه، وتجهيل العقول؛ حتى لا تنشط حركات انفصالية داخلها، ومن أمثلة ذلك منع الطابعة في عهد الدولة العثمانية.

فيا ترى هل كان تطبيق الإسلام هو السبب في تخلفنا وتقهقرنا إلى يومنا هذا؟ وهل الدول المسلمة في أيامنا الحالية التي مالت لتطبيق العلمانية أو طبقتها استطاعت التخلص من مشاكلها، ستقولون لي تركيا بتطبيق العلمانية تطورت، سأجيبكم بأن تركيا لم تستطع النهوض باقتصادها لأزيد من 60 سنة، وكانت تشتهر بالانقلابات العسكرية، وهذا رغم تطبيقها للعلمانية بطريقة متشددة، لم تطبقها بعض الدول الأوروبية حتى، ولكن عند انتهاجها لسياسة اقتصادية واجتماعية صحيحة شهدت تطورًا حقيقيًّا.

فالمشكل لا يكمن في الدين نفسه؛ فالإسلام لم ولن يتعارض يومًا مع العلم على العكس فقد قام بتشجيعه، بل هو يكمن في الدولة وسياساتها في جميع الميادين، فلو قامت الدولة على العدل والإنصاف والشفافية والعمل ستنجح وتزدهر، أما عند استغلالها الدين لتحقيق مصالح الطبقة الحاكمة فمن المستحيل أن تتطور؛ فالله ينصر الدولة العادلة ولو كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة، ونحن إذا عدنا لتطبيق أسس الإسلام الحقيقي سنتمكن من إرساء العدل في الدولة بين جميع مكونات المجتمع بأقلياته الدينية والعرقية.

إن المقصود في تطبيق الإسلام الحقيقي ليس في تولية الحركات الإسلامية الحالية الحكم، فدعونا نكن صريحين بعضنا مع بعض، جميعنا يعلم أن أغلبها حتى لا نقول كلها تخدم أجندات معينة لصالح دول تدعمها لزعزعة استقرار دول أخرى وإسقاط أنظمة سياسة لا تخدم مصالحها، وهي تستغل الإسلام شعارًا للقيام بذلك، فنجدها تطبق الإسلام في أمور متناسية تطبيقه في أمور أخرى، وهؤلاء قد ينطبق عليهم قوله تعالى «أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك